القانون للأقوياء فقط؟ من فضيحة إبستين إلى مأساة فلسطين المستمرة
بقلم د. تيسير فتوح حجه …..
الأمين العام لحركة عدالة
لم تعد أزمة الثقة بالنظام الدولي ناتجة عن غياب القوانين، بل عن انتقائية تطبيقها. فالعالم يملك منظومات قانونية متقدمة، ومحاكم، وهيئات رقابة، وآليات مساءلة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تُطبَّق هذه المنظومة بالمعيار ذاته على الجميع، أم أنها تتحرك عندما تتوافر الإرادة السياسية وتتجمّد عندما تتعارض مع مصالح القوى النافذة؟
عندما تفجّرت فضيحة إبستين، شهدنا استنفارًا إعلاميًا وقضائيًا واسعًا، وفتحًا لملفات حساسة، وملاحقةً لأسماء وازنة. الرسالة التي قُدّمت للرأي العام كانت واضحة: لا أحد فوق القانون. هذا النموذج أظهر أن العدالة قادرة على الوصول إلى دوائر النفوذ عندما تتوافر الإرادة والقرار.
في المقابل، تقف القضية الفلسطينية منذ عقود أمام مشهد مختلف؛ انتهاكات موثّقة، وقرارات دولية متراكمة، وتقارير حقوقية متعددة، ومع ذلك تبقى آليات الإلزام ضعيفة، وتتعطل المساءلة تحت ضغط الحسابات السياسية. هنا لا يبدو الخلل في النصوص، بل في ميزان التطبيق.
إن المقارنة بين الحالتين لا تهدف إلى مساواة وقائع مختلفة، بل إلى كشف ازدواجية المعايير في إدارة مفهوم العدالة عالميًا. فالقانون الذي يُستخدم بحزم عندما تمسّ القضايا سمعة منظومات نافذة، يفقد زخمه عندما يتعلق الأمر بحقوق شعبٍ يطالب بحريته وكرامته وتقرير مصيره.
جوهر العدالة ليس في إصدار البيانات أو تشكيل اللجان، بل في القدرة على فرض المساءلة دون استثناء. فالعدالة التي تُجزّأ تتحول إلى أداة سياسية، وتفقد قيمتها الأخلاقية، وتُضعف ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية. وعندما يشعر الناس أن ميزان القانون يميل حيث تميل المصالح، تتآكل شرعية النظام الدولي نفسه.
من هنا تؤكد حركة عدالة الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية أن استعادة التوازن الأخلاقي والقانوني تبدأ بتوحيد معيار المساءلة، بحيث لا يكون النفوذ أو التحالف سببًا لتعطيل تطبيق القواعد الدولية. فحقوق الإنسان لا تُقاس بجنسية الضحية ولا بموقع الجغرافيا، بل بكونه إنسانًا يستحق الحماية.
إن القضية الفلسطينية اليوم تمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية منظومة العدالة الدولية. فإذا كان العالم قادرًا على ملاحقة أفراد نافذين في قضايا جنائية معقدة، فمن باب أولى أن يمتلك القدرة والإرادة لحماية حقوق شعبٍ كامل أقرّت القوانين الدولية بحقه في الحرية والكرامة.
وعليه، فإن السؤال “هل القانون للأقوياء فقط؟” لم يعد سؤالًا نظريًا، بل أصبح معيارًا يُقاس به صدق ادعاءات المجتمع الدولي في الدفاع عن حقوق الإنسان. فإما عدالة تُطبَّق على الجميع دون استثناء، وإما نظام عالمي تحكمه موازين القوة لا مبادئ الحق.
إن إعادة الاعتبار لميزان العدل تبدأ من إنهاء سياسة الكيل بمكيالين، وتفعيل أدوات المساءلة بشكل متساوٍ، وترسيخ قاعدة أن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية ليست ملفًا تفاوضيًا، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يجوز تعطيله تحت أي ظرف.
الكاتب من فلسطين