الفلسطينيون المؤثرون عالميًا ماليًا واقتصاديًا… لماذا لا ينعكس نجاحهم على بناء دولتهم كما يفعل اليهود في دعم كيانهم؟
بقلم د. تيسير فتوح حجه ….
الأمين العام لحركة عدالة.
ليس سرًا أن في الشتات الفلسطيني رجال أعمال ومستثمرين وخبرات اقتصادية لامعة أثبتت حضورها في أسواق العالم، من الخليج إلى أوروبا والأمريكيتين. نجحوا بجهدهم، وبنوا مؤسسات، وحققوا ثروات، وصار لهم تأثير في قطاعات المال والتكنولوجيا والتجارة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: لماذا لا ينعكس هذا الثقل الاقتصادي على مشروع وطني منظم يسهم في تثبيت صمود الناس وبناء مقومات الدولة؟
في تجارب شعوب أخرى، نرى كيف تتحول القوة المالية في الخارج إلى صناديق دعم، ومراكز أبحاث، ومؤسسات ضغط اقتصادي وإعلامي تحمي مصالحها الاستراتيجية. أما نحن، فما زال الجهد مبعثرًا، فرديًا، وموسميًا، يخضع للمبادرات الشخصية بدل أن يكون جزءًا من رؤية وطنية اقتصادية طويلة المدى.
المشكلة ليست في غياب الرغبة فقط، بل في غياب بيئة آمنة للاستثمار الوطني، وضعف الثقة بين رأس المال والمؤسسة الرسمية، وتغوّل البيروقراطية، وتداخل السياسة مع الاقتصاد بطريقة تنفّر المستثمر بدل أن تطمئنه. رأس المال يبحث عن الاستقرار والشفافية والحوكمة، وهذه عناصر ما زالت دون المستوى المطلوب.
كما أن الانقسام، وتعدد المرجعيات، وغياب مشروع اقتصادي وطني جامع، جعل كثيرًا من الكفاءات في الخارج يفضّلون دعم مبادرات إنسانية محدودة بدل الدخول في مشاريع استراتيجية طويلة النفس. النتيجة أن الطاقات موجودة، لكن الوعاء المؤسسي القادر على توظيفها ما زال هشًا.
المطلوب اليوم ليس لوم رجال الأعمال الفلسطينيين، بل بناء شراكة حقيقية بينهم وبين مجتمعهم:
إطار وطني اقتصادي مستقل، صناديق استثمار تنموية شفافة، حوافز قانونية ضامنة، ومشاريع إنتاجية تشغّل الشباب وتقلّل التبعية. حين يشعر المستثمر أن أمواله تبني اقتصادًا حقيقيًا لا تُستنزف في مسارات رمادية، سيتحوّل الدعم من تبرعات موسمية إلى استثمار استراتيجي.
القضية ليست مقارنة عاطفية مع تجارب الآخرين، بل دعوة صريحة لإعادة تعريف دور رأس المال الوطني: من نجاح فردي في الخارج إلى قوة جماعية تحمي صمود الداخل. فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بمؤسسات واقتصاد منتج وثقة متبادلة بين المواطن ورأس المال والقرار العام.
حين ننجح في خلق بيئة عدالة وشفافية ومساءلة، سيصبح رأس المال الفلسطيني في الداخل والخارج شريكًا طبيعيًا في معركة البقاء والبناء، لا متفرجًا قلقًا من المخاطرة. فالوطن الذي يمنح الأمان القانوني والاقتصادي، يستعيد أبناءه واستثماراتهم دون مناشدات موسمية.
الكاتب من فلسطين