فادي السمردلي يكتب: الحكومة مطالبة بتفسير قراراتها للرأي العام
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
لم يعد مقبولًا في عصر الانفتاح وتدفّق المعلومات أن تصدر الحكومة قرارات تمس حياة الناس ثم تكتفي بإعلانها دون شرح أو تبرير فالحكومة، بصفتها جهة تمارس السلطة باسم المجتمع، ليست كيانًا منفصلًا عن الناس، ولا تملك شرعيتها من قوتها الإدارية فقط، بل من قدرتها على الإقناع، والشفافية، واحترام حق الرأي العام في المعرفة فالقرار الحكومي الذي لا يُفسَّر هو قرار ناقص، مهما كانت نواياه أو أهدافه.
تفسير القرارات ليس ترفًا سياسيًا ولا إجراءً شكليًا لتحسين الصورة العامة، بل هو جوهر الحوكمة الرشيدة وأحد أعمدتها الأساسية فحين تتخذ الحكومة قرارًا اقتصاديًا أو إداريًا أو اجتماعيًا دون توضيح أسبابه وخلفياته، فإنها تفتح الباب أمام الشك، وتغذي حالة من عدم اليقين، وتُضعف الثقة بينها وبين المجتمع فالناس لا تعارض بالضرورة القرارات الصعبة، لكنها ترفض أن تُعامَل وكأنها غير معنية بالفهم أو غير جديرة بالتفسير.
القرارات الحكومية المبهمة تخلق فراغًا خطيرًا في الوعي العام، وهذا الفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا بل تملؤه الشائعات، والتأويلات، والتحليلات غير الدقيقة وعندما تفشل الحكومة في شرح قرارها، فإنها تسمح لغيرها بأن يشرح عنها، وغالبًا بطريقة مشوّهة أو منحازة وهنا تتحول المشكلة من مجرد قرار غير مفهوم إلى أزمة ثقة عامة يصعب احتواؤها لاحقًا.
على الحكومة ان تدرك أن الشفافية لا تعني كشف كل التفاصيل التقنية المعقدة، بل تعني تقديم تفسير واضح، منطقي، ومفهوم يربط القرار بالمصلحة العامة فالتفسير الصادق لا يُضعف هيبة الدولة، بل يعززها، لأنه يبرهن أن القرار لم يُتخذ بعشوائية أو مزاجية، وإنما استند إلى معطيات ودراسات وتقدير مسؤول للنتائج أما الصمت، فهو غالبًا ما يُفسَّر على أنه ارتباك، أو تجاهل، أو محاولة للهروب من المساءلة.
ومن أخطر ما تواجهه الحوكمة الحديثة هو الاعتقاد الخاطئ بأن السلطة تُغني عن الشرح.فهذا الاعتقاد لم يعد صالحًا في مجتمعات واعية، متصلة، وقادرة على المقارنة والمساءلة فكلما زادت قدرة الحكومة على فرض القرار دون تفسير، زادت في المقابل احتمالية فقدانها للثقة العامة على المدى الطويل والحوكمة التي تقوم على الغموض بدل الوضوح، هي حوكمة هشة مهما بدت قوية ظاهريًا.
تفسير القرارات للرأي العام هو أيضًا شكل من أشكال المساءلة الذاتية فحين تشرح الحكومة لماذا قررت، فهي تضع نفسها أمام اختبار المنطق والواقع، وتُجبر مؤسساتها على الانضباط، وتحدّ من القرارات الارتجالية أو غير المدروسة فكما أن هذا التفسير يمنح المجتمع فرصة للفهم، والنقد الواعي، والمشاركة غير المباشرة في تحسين السياسات العامة.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي أو تنمية مستدامة دون ثقة متبادلة بين الحكومة والمجتمع.وهذه الثقة لا تُفرض بالقانون، بل تُبنى بالوضوح والمصارحة فالحكومة مطالبة بتفسير قراراتها للرأي العام، لا لأن الناس يطلبون ذلك فقط، بل لأن هذا التفسير هو حق أصيل، وواجب سياسي، وشرط لا غنى عنه لحوكمة فعالة تحترم الإنسان وتدرك أن الصمت لم يعد خيارًا.
الكاتب من الأردن