القضية الفلسطينية: إنجازات تحققت ولم يُحافظ عليها بتشتت المواقف وتفرّد القرارات

بقلم د. تيسير فتوح حجه  …..

 

الأمين العام لحركة عدالة
لم تكن القضية الفلسطينية يوماً مجرد عنوان سياسي عابر، بل كانت مشروع تحرر وطني قدم شعبه التضحيات والدماء، واستطاع عبر عقود من النضال أن يحقق إنجازات سياسية ومعنوية لا يمكن إنكارها. فقد انتزع الاعتراف الدولي بهويته الوطنية، ورسّخ حضوره في المؤسسات الدولية، وأعاد فلسطين إلى واجهة الضمير العالمي كقضية شعب يسعى للحرية والاستقلال.
هذه الإنجازات لم تأتِ صدفة، بل كانت ثمرة وحدة نسبية في القرار الوطني، والتفاف جماهيري حول مشروع جامع، وتوازن في الخطاب السياسي الذي مزج بين المقاومة والعمل الدبلوماسي. يومها، كانت الكلمة الفلسطينية تُسمع، وكان الموقف يحظى بالاحترام، لأن الإرادة لم تكن مشرذمة، ولا القرار محتجزاً في دائرة ضيقة.
غير أن الواقع الراهن يكشف حقيقة مؤلمة؛ إذ إن ما تحقق من مكاسب تراكمية تعرض للتآكل بفعل تشتت المواقف وتفرد القرارات، وتغليب الحسابات الفصائلية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا. لقد تحولت الساحة الفلسطينية إلى فضاء من الانقسام، وأصبح القرار الوطني في كثير من الأحيان أسير الاستقطاب والتجاذبات، ما أفقد الموقف الفلسطيني وزنه وقدرته على التأثير.
إن التفرد بالقرار — أياً كان مصدره — لا يبني مشروع دولة، ولا يصون حقوق شعب، بل يعمق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويضعف القدرة على مواجهة التحديات الخارجية. كما أن غياب المرجعية الوطنية الجامعة أدى إلى ضياع البوصلة السياسية، وتراجع الأولويات من التحرر إلى إدارة الانقسام.
ومن هنا تؤكد حركة عدالة أن صون الإنجازات الوطنية يبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية، القائمة على الحوار، واحترام الإرادة الشعبية، وبناء مؤسسات جامعة لا إقصائية، ورفض احتكار القرار السياسي. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تُدار بمنطق الهيمنة أو التفرد، وأسمى من أن تُختزل في حسابات آنية.
إن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة شجاعة ومسؤولة، تعيد ترتيب البيت الداخلي، وتؤسس لخطاب وطني جامع يستثمر ما تحقق بدلاً من التفريط به. فالشعوب التي لا تحافظ على منجزاتها تفقد القدرة على البناء للمستقبل، والقضايا العادلة تحتاج إلى وحدة موقف بقدر حاجتها إلى عدالة حق.
ستبقى القضية الفلسطينية حية بإرادة شعبها، لكن الحفاظ على إنجازاتها مسؤولية قياداتها ومؤسساتها، ومسؤولية كل من يؤمن بأن الوحدة ليست شعاراً، بل شرط بقاء وطني.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا