إنتشار السرطان وأجهزة القرون الماضية في اليمن
نبيل الجمل ….
في وقت يواجه فيه العالم قفزات علمية وتقنية هائلة في تشخيص وعلاج الأورام، يقف المريض اليمني وحيداً في مواجهة صامتة وقاسية مع مرض السرطان الذي بات يفتك بالآلاف سنوياً وسط غياب شبه تام للاهتمام الحكومي والدولي. إن المعاناة في اليمن لم تعد تقتصر على الفقر أو الحرب فحسب، بل امتدت لتصبح مأساة صحية وجودية، حيث تشير الإحصائيات التقديرية إلى أن عدد الحالات المسجلة والمصابة بالأورام السرطانية قد تجاوز حاجز المائتي ألف حالة، وهو رقم مرعب يضع البلاد أمام كارثة إنسانية تستدعي استنفاراً وطنياً ودولياً.
إن الأسباب الكامنة وراء هذا الانتشار المخيف تتشابك فيها العوامل البيئية والسلوكية، ويأتي على رأسها خطر “المبيدات الزراعية المهربة والمحرمة”؛ فهذه السموم الكيميائية التي تدخل البلاد بعيداً عن الرقابة، تُستخدم بشكل عشوائي ومكثف في زراعة القات والخضروات لتحقيق أرباح سريعة، مما حول المائدة اليمنية إلى مصدر للمواد المسرطنة التي تدمر الكبد والجهاز الهضمي. هذا الانفلات في المنافذ الحدودية سمح بتدفق مركبات كيميائية محظورة دولياً، لتجد طريقها إلى أجساد المواطنين في ظل غياب الرقابة والمحاسبة.
علاوة على ذلك، تلعب العادات الاستهلاكية مثل مضغ القات والتبغ (الشمة والتدخين) دوراً محورياً في زيادة نسب الإصابة، يرافقها تلوث بيئي ناتج عن مخلفات الحروب والأسلحة والمتفجرات التي تركت خلفها جزيئات سامة في التربة والهواء والمياه الجوفية. ومع انهيار القطاع الصحي وخروج أكثر من نصف المنشآت الطبية عن الخدمة، وجد المواطن نفسه بلا خط دفاع أول، حيث غابت برامج الكشف المبكر، وندر وجود الأدوية الكيماوية الأصلية، مما فتح الباب أمام الأدوية المهربة والمغشوشة التي قد تزيد من معاناة المريض بدلاً من شفائه.
المأساة الكبرى تكمن في أن مراكز مكافحة السرطان في اليمن، التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، تعاني من تهالك تقني مريع؛ فالأجهزة الإشعاعية والتشخيصية المستخدمة حالياً هي في الواقع موديلات قديمة جداً، كانت دول أوروبا وخاصة ألمانيا قد استغنت عنها وتوقفت عن استخدامها منذ أكثر من ثلاثين عاماً. هذه الأجهزة القديمة لا تفي بالغرض، ولا تمنح النتائج الدقيقة اللازمة للعلاج الحديث، بل إنها تزيد من قائمة الانتظار الطويلة التي تجعل المريض يواجه الموت وهو ينتظر دوره في جلسة علاج قد لا تأتي في الوقت المناسب.
بينما نرى أغلب دول العالم تعالج أمراض السرطان والقلب والسكر مجاناً وعلى نفقة الدولة، يضطر المريض اليمني لبيع ممتلكاته ومدخراته ليتمكن من شراء جرعة كيماوي واحدة. ومن هنا، نوجه نداءً عاجلاً للدولة والحكومة لضرورة الالتفات لهذا الملف الخطير، والعمل فوراً على إنشاء مراكز متخصصة وحديثة مزودة بأحدث التقنيات العالمية، وتوفير الميزانيات التشغيلية للمراكز القائمة مثل “مركز الأمل” في تعز والمركز الوطني في صنعاء وعدن. كما يجب على الحكومة توجيه التجار والمحسنين والمغتربين اليمنيين نحو هذا العمل الإنساني العظيم، فدعم مستشفيات السرطان هو استثمار في حياة الإنسان اليمني المقهور.
إن الحلول الممكنة تبدأ بفرض رقابة صارمة على المبيدات الزراعية وتوعية المزارعين بالبدائل الآمنة، وتدريب الكوادر الطبية على اكتشاف الأورام في مراحلها الأولى (الأولى والثانية) حيث ترتفع نسب الشفاء إلى أكثر من 90%. كما يجب توطين العلاج الإشعاعي وتوفير الأجهزة الحديثة لتقليل تكاليف السفر المنهكة للخارج. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع؛ من دولة، ومنظمات، ومجتمع مدني، لإنقاذ آلاف الأرواح التي تزهق كل عام بسبب داء يمكن مكافحته إذا توفرت الإرادة الصادقة والإمكانات اللازمة.
الكاتب من اليمن