فادي السمردلي يكتب: الإصلاح الاقتصادي في الأردن من إدارة الأزمات إلى بناء النمو المستدام

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

لم يعد الإصلاح الاقتصادي في الأردن مجرد خيار سياسي أو برنامج حكومي مرحلي، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها التحديات الاقتصادية المتراكمة والضغوط الاجتماعية المتزايدة فسنوات من النمو المحدود، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعت الاقتصاد الأردني أمام اختبار حقيقي إما الاستمرار في إدارة الأزمات، أو الانتقال الجاد نحو نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية واستدامة.

يعاني الاقتصاد الأردني من اختلالات هيكلية واضحة، في مقدمتها ضعف القطاعات القادرة على توليد فرص عمل واسعة، واعتماد شريحة كبيرة من النشاط الاقتصادي على الخدمات التقليدية فهذه القطاعات، رغم أهميتها، لم تعد قادرة وحدها على استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل سنويًا، وهو ما يفسر استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة، خصوصًا بين خريجي الجامعات.

من هنا، برز الإصلاح الاقتصادي بوصفه عملية أعمق من مجرد إجراءات مالية أو تعديلات ضريبية فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة توجيه الاقتصاد نحو قطاعات إنتاجية قادرة على النمو، مثل التكنولوجيا، والصناعات المتوسطة، والزراعة الحديثة، والطاقة المتجددة فهذه القطاعات لا تخلق فرص عمل فقط، بل تسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على القطاعات الهشة أو الموسمية.

غير أن دعم هذه القطاعات لا يمكن أن ينجح دون إصلاح جذري لبيئة الأعمال فالاستثمار، سواء كان محليًا أو خارجيًا، يحتاج إلى مناخ يتسم بالوضوح والاستقرار، وإجراءات إدارية مرنة، وتشريعات لا تتغير باستمرار فكثير من التحديات التي تواجه الاقتصاد الأردني لا تعود إلى نقص الفرص، بل إلى تعقيد الإجراءات، وبطىء المعاملات، وتعدد المرجعيات، وهي عوامل تضعف ثقة المستثمر وتحد من التوسع الاقتصادي.

ويرتبط الإصلاح الاقتصادي بشكل مباشر بملف التشغيل فخلق فرص العمل لا يتحقق تلقائيًا مع النمو، ما لم يكن هذا النمو موجهًا ومدروسًا كما أن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل ما تزال تشكل تحديًا حقيقيًا ولذلك، فإن أي حديث عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح منظومة التعليم والتدريب المهني يبقى ناقصًا فالمطلوب هو مواءمة حقيقية بين ما يتعلمه الشباب وما يحتاجه الاقتصاد، بدل الاستمرار في تخريج أعداد كبيرة من تخصصات محدودة الطلب.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي للإصلاح الاقتصادي فالإصلاحات التي تُنفذ دون مراعاة الفئات محدودة الدخل قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتفاقم الإحباط المجتمعي.ولهذا، يصبح من الضروري أن تترافق السياسات الاقتصادية مع برامج حماية اجتماعية فعالة، تضمن توزيعًا أكثر عدالة لأعباء الإصلاح، وتحافظ على التوازن الاجتماعي خلال مراحل التحول.

إن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نمو مستدام يتطلب رؤية واضحة، وصبرًا سياسيًا، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع فالإصلاح الاقتصادي ليس قرارًا يُتخذ مرة واحدة، بل مسار طويل يحتاج إلى تقييم مستمر وتصحيح عند الحاجة فالنجاح في هذا المسار لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات الاقتصادية، بل بقدرة الاقتصاد على خلق فرص حقيقية، وتحسين مستوى المعيشة، وبناء ثقة المواطن في المستقبل.

وفي ظل التحديات الإقليمية والدولية، يبقى الرهان الأكبر على أن يتحول الإصلاح الاقتصادي في الأردن من استجابة للأزمات إلى مشروع تنموي متكامل، يضع الإنسان في صلب العملية الاقتصادية، ويؤسس لنمو مستدام قادر على الصمود والاستمرار.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا