مفاوضات القوة: إيران تنتصر في المفاوضات الكبرى
نبيل الجمل …..
في القراءات الاستراتيجية والسياسية المعاصرة، يُنظر إلى ما يحدث الآن في فبراير 2026 على أنه “نصر استراتيجي بالنقاط” لإيران ومحور المقاومة، وذلك لعدة أسباب تجعل كفة طهران هي الأرجح عسكرياً وسياسياً في مواجهة القوى العظمى. فالمشهد الحالي يكرس حقيقة أن التفاوض لم يعد مجرد جلوس على طاولة مستديرة، بل هو انعكاس لموازين القوى على الأرض، حيث استطاعت إيران كسر هيبة الأساطيل الأمريكية التي دخلت المنطقة دون القدرة على إطلاق “الرصاصة الأولى”، مما يُعد تراجعاً صريحاً في نظرية الردع. فترامب والقيادة الأمريكية يدركون جيداً أن أي ضربة عسكرية مباشرة تعني اشتعال القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة واستهداف عمق الكيان الصهيوني بشكل غير مسبوق.
لقد فرضت إيران توازناً للرعب اعتمد على معادلة أن “أمن الخليج وحدة واحدة”؛ فإما أن يصدر الجميع نفطهم أو لا أحد، وهو التهديد الذي جعل القوى العالمية الكبرى تضغط على واشنطن لتهدئة اللعب خشية انهيار الاقتصاد العالمي. وتتجلى قوة هذا المحور في نموذج الحلفاء الأقوياء كاليمن، القادرين على إغلاق ممرات مائية حيوية كالبحر الأحمر وباب المندب، مما جعل أمريكا تشعر بالحصارة داخل هذه الممرات الضيقة، محولةً أساطيلها من “أداة هجوم” كاسحة إلى “أهداف محتملة” في مرمى النيران.
أما على الصعيد السياسي، فإن إيران اليوم تفاوض من موقع قوة حقيقية، فهي لا تذهب للمفاوضات وهي ضعيفة، بل وهي تمتلك تخصيباً عالياً لليورانيوم وتكنولوجيا صاروخية متطورة، مما مكنها من وضع الشروط ورفض الإملاءات الأمريكية. هذا النجاح ترافق مع فشل سياسة العزل الدولي؛ فرغم عقوبات “الضغط الأقصى” التي أعاد تفعيلها ترامب، عززت طهران تحالفاتها الاستراتيجية مع الصين وروسيا ضمن “محور الشرق”، مما أفرغ العقوبات من محتواها السياسي وأفشل أهداف واشنطن في عزل طهران دولياً.
ويبرز في هذا السياق الانتصار الأخلاقي والسيادي، حيث يُعتبر صمود دولة أمام قوة عظمى كأمريكا لسنوات طويلة نصراً بحد ذاته في عالم السياسة. لقد أثبتت التجربة أن الإرادة الوطنية قادرة على مواجهة التكنولوجيا العسكرية المتطورة، وسقط الرهان الأمريكي على انهيار النظام من الداخل بفعل العقوبات الاقتصادي؛ إذ أظهر التلاحم الشعبي في الأزمات العسكرية خيبة هذا الرهان. إن الخلاصة التي يمكن استنتاجها هي أن إيران تمكنت من جعل “المستحيل ممكناً” عبر إجبار القوة العظمى الأولى في العالم على التراجع عن خيار الحرب المفتوحة والاكتفاء بالتهديد الكلامي، خشيةً من دفع ثمن باهظ لا تستطيع أمريكا ولا حلفاؤها تحمله في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ.
الكاتب من اليمن