انهيار الأقنعة وامتحان الضمير الإنساني
#عفاف_فيصل_صالح …..
حين تسقط الزينة ويبقى الوجه الحقيقي
حين تتهاوى الأقنعة، لا يبقى إلا الوجه العاري للحقيقة.
حين تتهاوى الأقنعة، ينكشف المستور، وتعلو صرخات الضحايا.
حين تتهاوى الأقنعة، يُمتحن الضمير الإنساني أهو حيٌّ أم موؤود؟
لقد جاءت قضية جيفري ابيستين لتكون زلزالاً أخلاقياً هزّ صورةً طالما قُدِّمت للعالم على أنها نموذج العدالة والحرية وحقوق الإنسان. لكنها، في نظر كثيرين، لم تكن حادثةً معزولة، بل كاشفةً عن شبكةٍ معقّدة من النفوذ والمال والسلطة، حيث تختلط الشعارات البراقة بوقائع دامية، ويجتمع بريق الكاميرات مع ظلام الزنازين.
أيُّ حضارةٍ هذه التي تتغنّى بحماية الطفل، بينما تُدوَّن في ملفاتها فضائح انتهاك الطفولة؟
أيُّ منظومةٍ هذه التي تُحاضر في الأخلاق، بينما تُخفي تحت سجادها صرخات الضحايا؟
ميزان العدل الذي لا يميل
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾.
العدل من كلام الله ليس شعاراً سياسياً، ولا خطاباً دبلوماسياً، بل فريضةٌ تعبّدية، ومبدأٌ شامل لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيف. فالحقُّ حقٌّ ولو على النفس، والباطل باطلٌ ولو زخرفوه بألف زينة.
ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
فهل هناك لَبسٌ أعظم من أن تُرفع رايات الحريات، بينما تُنتهك براءة الأطفال؟
وهل هناك تناقضٌ أفدح من أن تُصدَّر الدروس في الكرامة الإنسانية، بينما تُطمس ملفات الجرائم خلف الأبواب المغلقة؟
بين سقوط إمبراطوريات وتكرار المشهد
التاريخ لا ينسى.
التاريخ لا يجامل.
التاريخ لا يرحم.
كم من إمبراطوريةٍ رفعت راية “التمدّن” فسقطت حين استشرى فيها الفساد!
في أواخر أيام الامبراطورية الرومانية، لم يكن السقوط وليد هزيمة عسكرية فحسب، بل نتيجة تآكلٍ أخلاقي داخلي.
وفي حقبة الاستعمار الحديث، رُفعت شعارات “نشر الحضارة”، بينما كانت الثروات تُنهب، والشعوب تُقمع.
أليست المقارنة اليوم حاضرة؟
أليست الشعارات ذاتها تتكرر، والأدوات تتبدل، والنتيجة واحدة: اتساع الفجوة بين القول والعمل؟
إن التاريخ يُعلّمنا أن الحضارات لا تنهار حين يهاجمها الأعداء، بل حين تتصالح مع الظلم، وتبرّر الفساد، وتُسكت الضحايا.
ظلام خلف أضواء الكاميرات
إنها لوحةٌ متناقضة أضواء كاميراتٍ تلمع، وربطاتُ عنقٍ أنيقة، وخطاباتٌ منمّقة عن الحرية…
وفي الخلف، ظلالٌ كثيفة، وأبوابٌ موصدة، وملفاتٌ تتناثر منها رائحة الألم.
كأننا أمام مسرحٍ ضخمٍ بديكورٍ فاخر، لكنّ أرضه مغموسةٌ بدموع الصغار.
كأن الحضارة التي تُصدَّر في علبٍ ذهبية، تخفي في باطنها شقوقاً سوداء.
أيُّ تصويرٍ أبلغ من هذا التناقض؟
وأيُّ مأساةٍ أعظم من أن تُستباح الطفولة بإسم النخبة والسلطة؟
ليس الأمر حادثةً عابرة.
ليس الأمر خطأً فردياً.
ليس الأمر شائعةً عابرة في فضاء الإعلام.
إنها أسئلة تتكرر
أين المؤسسات الدولية؟
أين الهيئات التي تُصدر التقارير السنوية عن حقوق الطفل؟
أين المنظمات التي تملأ الدنيا ضجيجاً إذا تعلق الأمر بدولٍ بعينها، ثم تصمت إذا تعلق الأمر بأصحاب النفوذ؟
السؤال هنا ليس حشواً، بل جرسُ إنذار.
جرسُ إنذارٍ للضمير العالمي.
جرسُ إنذارٍ للنخب.
جرسُ إنذارٍ للشعوب.
امتحان المؤسسات الدولية
إن أي منظومةٍ دولية تُقاس بميزانٍ واحد
هل تطبّق معاييرها على الجميع؟ أم تنتقي وتستثني؟
فإما أن تكون القوانين الدولية سيفاً للعدل على كل ظالم،
وإما أن تتحول إلى عصا تُشهر في وجه الضعفاء فقط.
اللحظة الراهنة لحظة مساءلة
لحظة تصفية حسابات،
لحظة تصحيح مسار.
صحوة لا تنتظر
أيها القارئ القضية ليست جغرافيا، ولا صراع حضارات، بل صراع قيم.
القضية ليست شرقاً ضد غرب، بل حقاً ضد باطل.
لنرفع صوتنا بالعدل حيثما كان.
لنرفض الازدواجية أياً كان مصدرها.
لننصر الضحية أياً كانت هويتها.
لنطالب بالشفافية والمساءلة دون خوفٍ من الأسماء الكبيرة أو العناوين اللامعة.
إن الإصلاح يبدأ من الوعي،
والوعي يبدأ من سؤال،
والسؤال يبدأ من شجاعة.
فلنمتلك شجاعة السؤال.
ولنمتلك شجاعة الموقف.
ولنمتلك شجاعة العمل.
ختاماً، إن القيم الحقيقية لا تحتاج إلى كاميرات لتثبت نفسها، ولا إلى خطاباتٍ طويلة لتبرّر وجودها. القيم الحقيقية تُعرف حين يُمتحن أصحابها، فإن عدلوا ثبتت، وإن ظلموا سقطت… وسقطت معها كل الأقنعة.
الكاتبة من اليمن