فادي السمردلي يكتب: نواب الأمة أمام امتحان الضمان موقف أم مجاملة؟

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

حين يُطرح مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي تحت القبة، لا يكون الأمر نقاشًا تقنيًا محصورًا بين خبراء الأرقام والاكتواريين، بل لحظة فارقة فالقضية تمسّ حياة مئات الآلاف من العاملين والمتقاعدين، وتمتد آثارها إلى كل بيت يعتمد على راتب تقاعدي أو يعلّق آماله على سنوات خدمة تُفضي إلى أمان مستحق وهنا، لا يكفي أن يُقال إن التعديلات ضرورة مالية، بل يجب أن يُسأل ضرورة لمن؟ وبأي كلفة؟ وعلى حساب من؟

التعديلات المقترحة، بما تتضمنه من رفع عدد الاشتراكات المطلوبة، وتشديد شروط التقاعد المبكر، والاتجاه نحو رفع سن التقاعد تدريجيًا، تُقدَّم باعتبارها استجابة لمتطلبات الاستدامة المالية ولا خلاف على أن أي نظام ضمان اجتماعي يحتاج إلى توازن دقيق بين الإيرادات والنفقات، وأن الخلل الاكتواري إن تُرك دون معالجة قد يهدد مستقبل الصندوق نفسه ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هل تكون المعالجة دائمًا عبر تحميل المشترك مزيدًا من الأعباء؟ أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ أيضًا بإدارة أكثر كفاءة، واستثمارات أكثر أمانًا، ومكافحة صارمة للتهرب التأميني؟

المواطن الذي اقتُطع من راتبه شهرًا بعد شهر، لسنوات طويلة، لم يكن يتعامل مع الضمان بوصفه خيارًا مؤقتًا، بل عقدًا ملزمًا بينه وبين الدولة فكان يدفع حصته على أمل أن يجد في نهاية المطاف شبكة أمان تحفظ كرامته حين يتقدم به العمر أو تعجزه الظروف وعندما تُعاد صياغة شروط هذا العقد، ولو بحسن نية، فإن الشعور العام يميل إلى القلق هل ستتغير القواعد في كل مرة تضيق فيها الحسابات؟

هنا يأتي دور مجلس النواب فوظيفته ليست الاصطفاف التلقائي مع الحكومة ولا الوقوف المعارض لمجرد المعارضة، بل ممارسة رقابة حقيقية، وفتح نقاش وطني صريح، وإدخال تعديلات تضمن التوازن بين استدامة الصندوق وعدالة الشروطش فالاستدامة ليست رقمًا في تقرير مالي فقط، بل شعور بالطمأنينة لدى المشترك بأن مستقبله لن يكون رهينة قرارات مفاجئة.

إن رفع سن التقاعد مثلًا قد يبدو منطقيًا في ضوء ارتفاع متوسط الأعمار، لكن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في الأردن يختلف عن المعايير النظرية فسوق العمل يعاني من بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، وإبقاء الموظفين لفترات أطول قد يعني تضييق فرص الدخول الجديدة كذلك، ليست كل المهن متساوية في طبيعتها فهناك أعمال تستنزف الجهد البدني والنفسي ولا يمكن مقارنتها بوظائف مكتبية مستقرة فالعدالة تقتضي أن يُنظر إلى هذه الفروق بعين الاعتبار، لا أن تُطبَّق القواعد بصرامة موحدة.

أما التقاعد المبكر، الذي يُصوَّر أحيانًا كعبىء مالي، فقد كان في حالات كثيرة ملاذًا اضطراريًا لمن فقدوا وظائفهم أو تضرروا من ظروف اقتصادية قاهرة فتضييق شروطه دون توفير بدائل حقيقية للحماية الاجتماعية قد يترك فئات واسعة في منطقة رمادية بين البطالة والانتظار القسري.

النواب اليوم أمام اختبار يتجاوز التصويت وعليهم أن يسألوا بجرأة هل تم استنفاد كل البدائل قبل الوصول إلى جيب المشترك؟ هل أُجريت دراسات أثر اجتماعي حقيقية؟ هل هناك ضمانات بعدم المساس بالحقوق المكتسبة؟ وهل ستُراعى العدالة بين الأجيال، بحيث لا يتحمل الجيل الحالي كلفة أخطاء تراكمت عبر عقود؟

المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يرفض الإصلاح لمجرد الرفض لكنه يريد إصلاحًا يشاركه عبىء القرار بشفافية، ويشعره بأن صوته ممثل فعلًا تحت القبة ويريد أن يرى نوابه يناقشون، يعدّلون، يقترحون، ويرفضون إن لزم الأمر. يريد برلمانًا يمارس دوره كاملًا، لا يكتفي بتمرير النصوص كما وردت.

في النهاية، سيُسجَّل موقف كل نائب فالقوانين تمضي، لكن الذاكرة العامة لا تمحو بسهولة فبين الموقف والمجاملة، تُبنى الثقة أو تتآكل وقانون الضمان الاجتماعي، بما يحمله من أبعاد اقتصادية وإنسانية، ليس مجرد تشريع عادي إنه امتحان حقيقي لمعنى النيابة ذاته فهل يكون النواب صوت الناس حين تُعاد صياغة مستقبلهم؟ أم تمرّ التعديلات بهدوء، تاركة خلفها سؤالًا أكبر من النص من كان حقًا تحت القبة يمثل المواطن؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا