الإساءة للدين عندما يفتي به جاهل ويفسره قاتل

بقلم د. تيسير فتوح حجة …..

الأمين العام لـ حركة عدالة
في كل مرحلة اضطراب تعيشها الأمم، يطفو على السطح من يتصدر المشهد بلا علم، ويتجرأ على النص بلا فهم، ويختطف الدين من روحه السمحة ليقدمه أداة تحريض أو غطاءً لجرائم لا تمت له بصلة. وهنا تكون الإساءة الحقيقية للدين، لا من أعدائه، بل ممن يدّعون الدفاع عنه زوراً وبهتاناً.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات أن يتحول الدين، الذي هو رسالة هداية ورحمة، إلى منصة للجهل أو ساحة لتبرير العنف. فالفتوى مسؤولية عظيمة، لا يحملها إلا من امتلك أدوات العلم، وأدرك مقاصد الشريعة، وعرف فقه الواقع قبل فقه النص. أما أن يتصدر الجاهل، فيفتي بغير علم، فذلك باب للفتنة، وتمزيق للنسيج الاجتماعي، وتشويه لصورة الدين في أعين أبنائه قبل خصومه.
وحين يتكئ القاتل على تأويل منحرف، يقتطع النص من سياقه، ويغفل عن مقاصده الكبرى في حفظ النفس والكرامة الإنسانية، فإنه لا يسيء إلى ضحيته فحسب، بل يسيء إلى الدين نفسه، ويزرع في وعي الأجيال صورة مشوهة عن رسالة السماء.
والأخطر من ذلك كله، حين يُزَجُّ بالدين في أتون الصراعات السياسية، فيتم تسيسه وتعبئة الخطاب الديني لخدمة أجندات فئوية، فينشأ أطفالنا على فهم مشوه، يختلط فيه المقدس بالحزبي، والروحي بالتحريضي. إن عقول الأجيال ليست ساحة تجارب، ولا منابر لتصفية الحسابات. فالطفل الذي يتلقى خطاباً دينياً مسيساً ومشحوناً بالكراهية، يكبر وهو يحمل تصورات مغلوطة عن الآخر، وعن الوطن، وعن معنى التدين ذاته.
إن انعكاس تسيس الدين على التربية خطير وعميق؛ إذ يُفقد القيم معناها الإنساني، ويستبدل الرحمة بالقسوة، والحكمة بالتعصب، والتعايش بالإقصاء. وبدلاً من أن يكون الدين مصدر تهذيب للأخلاق وبناء للضمير، يتحول في أذهان بعض الناشئة إلى شعار صراع، أو أداة اصطفاف، أو مبرر لرفض المختلف.
لقد جاء الدين ليحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. فكيف يُستباح الدم باسم الدين؟ وكيف يُبرر الظلم بآيات الرحمة؟ وأي جناية أعظم من أن يُختطف وعي أطفالنا، وأن يُغذّى بخطاب متشدد يربط الإيمان بالعداء، والتدين بالتحزب؟
إننا في حركة عدالة نؤكد أن صون الدين يكون بصون مكانته، ومنع العبث به، وتجريم خطاب التحريض والتكفير، وتعزيز دور العلماء الوسطيين الذين يجمعون بين العلم والحكمة، وبين النص وروحه، وبين الثوابت ومتغيرات العصر. كما نؤكد أن حماية عقول الأجيال مسؤولية وطنية وأخلاقية، تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، ولا تنتهي عند المنبر والإعلام.
إن الدين أكبر من أن يُختزل في فتوى متسرعة، وأقدس من أن يُستعمل وقوداً للقتل والكراهية. الدين رسالة حياة، لا مشروع موت؛ رسالة بناء، لا معول هدم.
فلنحمِ ديننا من الجهل، ولنحمِ أبناءنا من التشويه، ولنجعل من الوعي سداً منيعاً أمام كل من يحاول خطف المقدس لخدمة أجنداته الضيقة.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا