فادي السمردلي يكتب : إقصاء العقول بقرارات… موت للمنظومات
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
👈 *المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉
التخبط في القرارات لا يولد من فراغ، بل هو ابن شرعي للخوف، وأقرب تجلياته الخوف على الكرسي فحين يصبح الموقع أهم من الفكرة، والمنصب أغلى من المنظومة، يتحول القرار من أداة بناء إلى وسيلة حماية شخصية فهنا لا يُتخذ القرار لأنه صحيح، بل لأنه آمن لصاحبه، لا يهز الكرسي ولا يزعج المحيطين به فهذا النوع من الخوف لا يصنع قادة، بل يصنع حراس مواقع، وكل حارس موقع مستعد أن يضحي بالمنظومة كاملة مقابل يوم إضافي في السلطة.
الخوف على الكرسي يخلق قرارات متناقضة بطبيعتها فاليوم قرار لإرضاء طرف، وغداً نقيضه لاحتواء طرف آخر، وبعد غد تراجع كامل خوفاً من الغضب أو المساءلة فلا اتجاه، لا بوصلة، فقط محاولات يائسة للبقاء. ومع كل قرار متذبذب، تتآكل هيبة القيادة، لأن الناس ترى الحقيقة بوضوح فمن لا يثق بنفسه لا يمكن أن يقود الآخرين، ومن يخشى فقدان موقعه لن يجرؤ على اتخاذ قرار مؤلم لكنه ضروري.
لكن الخوف وحده ليس الجاني الوحيد، فهناك فراغ فكري مزمن يقف خلف هذا التخبط فالفراغ الفكري يجعل صاحب القرار عاجزاً عن بناء رؤية، فيلجأ إلى الترقيع، والاقتباس السطحي، وردود الأفعال اللحظية فلا يوجد تصور بعيد المدى، ولا فهم عميق لتعقيدات الواقع، فقط إدارة يوم بيوم، وأزمة بأزمة ومع الوقت، تتحول المنظومة إلى كيان بلا عقل، يتحرك تلقائياً دون وعي، ويكرر الأخطاء نفسها لأنه لم يفهمها أصلاً.
وحين يجتمع الخوف مع الفراغ الفكري، تظهر الكارثة الأكبر “حكم الشلة والعلاقات الشخصية” ف عند هذه النقطة، لا يعود القرار نتاج نقاش فكري أو تحليل موضوعي، بل نتيجة جلسة مغلقة بين المقربين، أو رأي صديق، أو مصلحة متبادلة. تُقصى العقول المختلفة لأنها مزعجة، ويُهمَّش أصحاب الرأي لأنهم لا يجاملون، ويُكافئ الولاء الأعمى على حساب الكفاءة فالمنظومة هنا لا تُدار بعقل، بل تُدار بعلاقات، ولا تُبنى على رؤية، بل على شبكة مصالح هشة.
الاعتماد على الشلة يقتل أي فرصة لمواجهة الفكر بالفكر والرأي بالرأي لأن المواجهة الفكرية تحتاج شجاعة، وتحتاج ثقة بالنفس، وتحتاج استعداداً للاعتراف بالخطأ أما من يحيط نفسه بمن يصفق له دائماً، فلن يسمع إلا صدى صوته، وسيظن أن هذا الصدى إجماع وهكذا تتحول القرارات إلى دائرة مغلقة من التكرار، لا يدخلها نقد ولا يخرج منها تطوير.
ومن هنا يبدأ الإقصاء بوصفه سياسة لا عرضاً جانبيًا فتُستبعد الأصوات المختلفة لا لأنها مخطئة، بل لأنها تكشف الفراغ، وتفضح هشاشة القرار، وتربك من يخاف المواجهة فالإقصاء في هذه الحالة ليس قوة، بل اعتراف صريح بالعجز عن النقاش فبدلاً من مواجهة الفكرة بالفكرة، يُغلق الباب، ويُرفع الجدار، ويُظن أن الصمت سيصنع استقراراً.
لكن الصمت القسري لا يصنع منظومات قوية، بل يصنع تشابهاً قاتلاً فالجميع يفكر بالطريقة نفسها، يتحدث باللغة نفسها، ويبرر الأخطاء نفسها فتغيب البدائل، وتُغلق نوافذ التصحيح، وعندما تخطئ المنظومة – وهو أمر حتمي – لا تجد من ينبهها، لأنها سبق أن أبعدت كل من كان يملك الشجاعة ليقول: أنتم تسيرون في الاتجاه الخطأ.
المنظومات القوية لا تُدار بالخوف، ولا تُحمى بالإقصاء، ولا تستند إلى الشِلَل فقوتها في وضوح رؤيتها، وثبات قراراتها، وقدرتها على احتواء الاختلاف لا سحقه فهي منظومات تعرف أن النقد ليس تهديداً، بل ضرورة، وأن الرأي المخالف ليس عدواً، بل فرصة للتصحيح لذلك تواجه الفكر بالفكر، والرأي بالرأي، وتُبقي الباب مفتوحاً أمام العقول لا أمام المصالح.
أما المنظومات التي يحكمها التخبط، ويقودها الخوف، ويغذيها الفراغ الفكري، وتديرها العلاقات الشخصية، فهي قد تصمد شكلياً لبعض الوقت، لكنها تتآكل من الداخل لأن أول ما يُقصى فيها هو العقل، وأول ما يُقتل فيها هو المعنى، وآخر ما يسقط – بعد فوات الأوان – هو الكرسي نفسه الذي خافوا عليه أكثر من المنظومة كلها.
الكاتب من الأردن