فادي السمردلي يكتب :عندما يتحدث ديوان المحاسبة عن الضمان … يجب أن تبدأ المساءلة
بقلم فادي زواد السمردلي. …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
كشف تقرير لديوان المحاسبة عام ٢٠٢١ عن أرقام وملاحظات مالية تمس إدارة أموال مؤسسة الضمان الاجتماعي، من أبرزها عدم تحصيل نحو 89 مليون دينار مستحقة على بعض الوزارات والمؤسسات، واستئجار 16 مركبة لمدة سبع سنوات بكلفة إجمالية بلغت 483 ألف دينار، في حين تجاوزت كلفة الاستئجار قيمة الشراء بفارق يقارب 123 ألف دينار وكما أشار التقرير إلى ملاحظات تتعلق بعطاءات دعاية وإعلان رُصدت بكلف مرتفعة ودون مبررات واضحة للزيادة، ومنها عطاء مرتبط بالتعامل مع جهات إعلامية مثل قناة المملكة.
هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل وردت في تقرير رقابي، بل مؤشرات صريحة على مواطن خلل في الإدارة المالية وآليات المتابعة والإنفاق فعندما يصل حجم مبالغ غير محصلة إلى هذا المستوى، فإن السؤال لا يكون فقط عن سبب التأخر في التحصيل، بل عن سبب غياب الحسم في اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لاسترداد تلك الأموال فالمبلغ هنا ليس رقماً نظريًا، بل حقوقًا مالية كان يمكن أن تعزز استقرار الصندوق وتخفف أي ضغوط مستقبلية على المشتركين.
وفي ملف الاستئجار، تبدو القضية أكثر وضوحًا من حيث الحسابات فاستئجار مركبات لمدة سبع سنوات بكلفة تتجاوز قيمة الشراء يطرح علامة استفهام مباشرة حول جدوى القرار منذ بدايته فهل أُجريت دراسة مقارنة دقيقة بين الاستئجار والتملك؟ وهل خضعت القرارات لمراجعة دورية تضمن تحقيق أفضل استخدام للمال العام؟ مثل هذه الأسئلة مشروعة، لأن أي زيادة غير مبررة في النفقات تعني في النهاية استنزافًا إضافيًا لموارد المؤسسة.
أما ما يتعلق بعطاءات الدعاية والإعلان، فإن الملاحظة الأساسية لا تتوقف عند اختيار جهة معينة، بل تمتد إلى آلية الترسية والمعايير التي حكمت رفع الكلفة دون توضيح أسباب واضحة فالشفافية في العطاءات ليست إجراء شكليًا، بل ضمانة أساسية لحماية المال العام من أي تضخم في الأسعار أو ضعف في الرقابة. وعندما يرد ذكر تعاملات مالية مع جهات إعلامية في سياق ملاحظات رقابية، فإن ذلك يستدعي مراجعة دقيقة للقرارات والوثائق والعقود المرتبطة بها.
إن هذه المعطيات مجتمعة تفرض سؤالًا جوهريًا هل الأولوية اليوم هي معالجة الاختلالات المالية والإدارية التي كشفها التقرير، أم المضي في تعديلات تشريعية قد تفرض أعباء إضافية على المشتركين؟ أي إصلاح حقيقي في قطاع الضمان الاجتماعي يجب أن يبدأ من ضبط الإنفاق، وتحسين التحصيل، وتعزيز الحوكمة، وتفعيل أدوات الرقابة الداخلية قبل التفكير في تحميل المواطن كلفة أي عجز أو تقصير إداري.
المسؤولية هنا لا تقتصر على كشف الملاحظات، بل على تحويلها إلى إجراءات تصحيحية واضحة بجدول زمني محدد، ومحاسبة فعلية لكل جهة أو قرار ثبت أنه خالف معايير الإدارة الرشيدة فالأموال التي تُدار داخل هذه المؤسسة ليست أموالًا عامة فحسب، بل مدخرات سنوات طويلة من عمل المشتركين، وأي تساهل في حمايتها ينعكس مباشرة على الثقة بالنظام بأكمله.
الكاتب من الأردن