الكراهية … البذرة الاولي للعنف

بقلم: د. من النحلاوي  …..

 

لم يعد العنف مجرد سلوك فردي عابر، بل أصبح ظاهرة مركبة تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية؛ في الخطاب، في وسائل التواصل، في الشارع، وأحيانًا في البيوت. والعنف لا يبدأ دائمًا بضربة يد، بل قد يبدأ بكلمة جارحة، أو نظرة استعلاء، أو فكرة مشبعة بالكراهية. فالكراهية هي البذرة، والعنف هو الثمرة المُرّة التي تنمو حين لا نقتلع تلك البذرة من وعينا الجمعي.

حين نتأمل تجارب الشعوب، نجد أن المجتمعات التي انزلقت إلى دوامات الصراع لم تبدأ بالرصاص، بل بدأت بخطابات تقسيمية تُشيطن الآخر وتُقصيه. في أوروبا مثلًا، مهّد خطاب الكراهية لصعود أنظمة متطرفة كما حدث في عهد أدولف هتلر في ألمانيا، حيث تحولت الكلمات إلى سياسات، والسياسات إلى مآسٍ إنسانية. وفي منطقتنا العربية، دفعت مجتمعات عدة ثمن الاستقطاب الحاد، حين صار الاختلاف سببًا للعداء بدل أن يكون مساحةً للحوار.

إن نبذ الكراهية لا يعني إلغاء الاختلاف، بل إدارته بأخلاق. فالاختلاف سنة إنسانية، أما الكراهية فهي اختيار. ويمكن للمؤسسات التربوية والإعلامية أن تلعب دورًا حاسمًا في هذا السياق؛ إذ إن بناء ثقافة التسامح يبدأ من المدرسة، ويتعزز عبر خطاب إعلامي مسؤول، ويترسخ بقوانين تجرّم التحريض على العنف وخطاب الكراهية.

وقد شهدت المؤتمرات الأممية مرارًا التأكيد على خطورة انتشار خطاب الكراهية، خاصة في الفضاء الرقمي، لما له من قدرة على الانتشار السريع وتأجيج الانقسامات داخل المجتمعات. وهذا يعكس أن مواجهة الظاهرة لم تعد مسؤولية فردية فحسب، بل مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود التشريعية والتربوية والإعلامية.

لكن، وسط هذا المشهد القاتم، يبقى الأمل ممكنًا. فالتاريخ ذاته يخبرنا أن مجتمعات استطاعت أن تتجاوز جراحها حين اختارت المصالحة بدل الانتقام، والحوار بدل السلاح. إن الكلمة الطيبة ليست ضعفًا، بل قوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل الوعي. والتسامح ليس استسلامًا، بل وعيٌ بأن العنف لا يُنتج إلا عنفًا مضادًا.

إن نبذ الكراهية يبدأ من سؤال بسيط: كيف أختلف دون أن أؤذي؟ كيف أعارض دون أن أُقصي؟ كيف أُطالب بحقي دون أن أنكر حق غيري؟ حين تصبح هذه الأسئلة جزءًا من ثقافتنا اليومية، يمكننا أن نؤسس لمجتمع يرى في التنوع ثراءً، وفي الإنسانية قاسمًا مشتركًا أعلى من كل انتماء ضيق.

فالعنف يختصر الطريق لكنه يُفسد الغاية، أما التسامح فيطيل المسار لكنه يحفظ الكرامة. وبين هذا وذاك، يتحدد شكل العالم الذي نريد أن نورثه لأبنائنا: عالمًا تسكنه الكراهية، أم عالمًا تحرسه الرحمة.

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا