انتهاء عصر النخوة والأيديولوجيات… ونصرة المستضعفين اليوم طعام المتوحشين هم الشعوب الضعيفه
.بقلم د. تيسير فتوح حجة ….
الأمين العام لحركة عدالة.
يبدو أن العالم يعيش اليوم مرحلة مختلفة عمّا عرفته البشرية في العقود الماضية؛ مرحلة تتراجع فيها القيم التي طالما تباهت بها الدول والمنظومات السياسية، مثل النخوة ونصرة المظلوم والدفاع عن المستضعفين. تلك المبادئ التي شكّلت في زمنٍ ما جزءاً من الخطاب الأخلاقي والسياسي العالمي، باتت اليوم في كثير من الأحيان مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، وتُسقط سريعاً عندما تتعارض مع المصالح والنفوذ.
لقد تراجع تأثير الأيديولوجيات الكبرى التي كانت تدّعي الدفاع عن الإنسان وكرامته، وحلّت مكانها لغة المصالح الصلبة والتحالفات المؤقتة. في هذا العالم الجديد، لم تعد القيم الإنسانية هي المعيار الحاكم للعلاقات الدولية، بل أصبحت القوة الاقتصادية والعسكرية والنفوذ السياسي هي التي ترسم ملامح القرار الدولي.
وفي ظل هذه المعادلة القاسية، تحوّل المستضعفون في كثير من مناطق العالم إلى ضحايا دائمين لصراعات الكبار، بل أصبحوا، للأسف، مادة للاستغلال السياسي والإعلامي. فبدلاً من أن يكونوا موضع حماية دولية حقيقية، باتوا في كثير من الأحيان وقوداً للحروب والنزاعات، بينما تقف المؤسسات الدولية عاجزة أو صامتة أمام مآسيهم.
إن الشعب الفلسطيني يدرك هذه الحقيقة أكثر من غيره، بعد عقود طويلة من الاحتلال والمعاناة، حيث تكشّف بوضوح أن العدالة الدولية كثيراً ما تُدار بمعايير مزدوجة، وأن الشعارات الكبرى حول حقوق الإنسان والديمقراطية لا تجد طريقها إلى التطبيق عندما يتعلق الأمر بحقوق شعبنا.
ومن هنا فإن موقف حركة عدالة يقوم على قراءة واقعية لهذه التحولات الدولية، مع التمسك في الوقت ذاته بالمبادئ الإنسانية والحقوق الوطنية. فالحركة ترى أن العالم قد دخل مرحلة تتراجع فيها الرهانات على الشعارات والأيديولوجيات، الأمر الذي يفرض على الشعب الفلسطيني إعادة ترتيب أولوياته الوطنية وتعزيز عناصر قوته الذاتية.
وترى حركة عدالة أن الطريق الأكثر واقعية لمواجهة هذا الواقع يكمن في تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ الصمود على الأرض، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية تمثل إرادة الشعب وتعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالشعب الذي يمتلك مؤسسات شرعية قوية وإرادة وطنية موحدة يكون أكثر قدرة على حماية حقوقه والدفاع عن قضيته أمام العالم.
كما تؤكد الحركة أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى قضية حقوق إنسان وعدالة قبل أن تكون قضية صراع سياسي، وأن الخطاب الفلسطيني يجب أن يركز على حق شعبنا في الحرية والكرامة والمساواة وفق القوانين الدولية والإنسانية.
وفي رؤيتها للمستقبل، تؤمن حركة عدالة بأن الحل العادل والدائم يكمن في نظام سياسي يضمن الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية الكاملة لجميع من يعيشون على هذه الأرض، ضمن إطار ديمقراطي يقوم على المساواة والعدالة وسيادة القانون، بما يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والإنسانية.
إن العالم قد يكون دخل مرحلة قاسية تتراجع فيها النخوة الدولية، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها وتتمتع بالوعي والوحدة قادرة في النهاية على فرض عدالتها. فالقوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، بل في عدالة القضية وإرادة الشعوب التي لا تنكسر.
وإذا كان المستضعفون اليوم يبدون في نظر المتوحشين لقمة سائغة، فإن إرادة الشعوب المظلومة قادرة على تحويل الضعف إلى قوة، والمعاناة إلى طريق نحو الحرية والكرامة.
الكاتب من فلسطين