حين تبتلعك الرواية

لمدة ثلاثين عاما من حياتي كانت المحاماة هي الزوجة و بدخول رواية طواحين الهوا الى حياتي اصبحت الرواية هي العشيقة، و مع  مطلع هذا العام عندما تقاعدت من المحاماة اصبحت الرواية هي من تتربع على عرش القلب.

رحلة في تشكّل الوعي الإبداعي

سامر أبوشندي – عمان – في مرحلة الدراسة الثانوية وعندما تفتح وعيي الثقافي كان لي مجموعة من القراءات التي يحبها المراهقون مثل أشعار نزار قباني والأجنحة المتكسرة وألأرواح المتمردة لجبران خليل جبران، كان من حسن طالعي أن أحد اساتذتي في تلك المرحلة كان كاتبا صحفيا شجعني على القراءة ونشر لي خاطرة في احدى الصف وانا ابن الستة عشر ربيعا، وكانت نصيحته لي دائما هي الاستزادة من القراءة للكتاب المرموقين وتنويع المشارب، وأذكر أنه ناقشني في كتاب الصحافة حرفة ورسالة للكاتب المصري المثير للجدل سلامة موسى، الذي يروي على صفحاته المعاناة التي كابدها في الصحافة وبخاصة أثناة فترة حكومة الانتداب البريطاني في مصر، فكان سلامة موسى أول مناضل أقرأ له وعرفت فيما بعد أن أستاذي الذي أخذ بيدي الى القراءة والكتابة مثقفاعضويا ومنتسب الى أحد الأحزاب الأيدولوجية اليسارية، لكنه كان معي ؤع كافة زملائي يلتزم الحياد الموضوعي والأيدولوجي.

تمر ألأيام والتحق بالجامعة وأتخرج في كلية الحقوق وتستمر القراءات لكن لا محاولات في الكتابة وكان تخصصي في مجال المحاماة يملي علي ان اتثقف في المجالات القانونية والشرعية، وبالصدفة وأثناء زيارتي لمكتبة اسلامية في وسط البلد  وجدت رواية من القطع الصغير تزينها صورة فتاة ريفية مصرية جميلة وتحمل عنوان زينب فسألت عن سبب بيع هذه الرواية في مكتبة تبيع كتب الفقه والسيرة والعقيدة عادة فأفاد صاحب المكتبة ان هذه الرواية تحث على الفضيلة وان مكتبته ايضا تبيع اصدارات مصطفى لطفي المنفلوطي مثل النظرات والعبرات كذلك لنفس السبب، قرأت رواية زينب لكن لم تشدني او تشوقني ولكن ما استوقفي ان مؤلفها محمد حسين هيكل كان دارسا للحقوق في فرنسا واعجبه فن الرواية الذي يعتبر فنا أوروبي النشأة وقرر توطين هذا الفن  في بلده مصر وما يشفع لهذه الرواية اغراقها في الوصف أنها تعتبر الرواية العربية الأولى حيث صدرت في العام 1910 تقريبا وذلك قبل انتشار فن السينما الذي علمنا لاحقا أن الصورة بألف كلمة ، فكان ذلك دافعا لي الى محاولة اكتشاف الحبل السري الذي يصل القانون بالادب، خصوصا حينما عرفت بان توفيق الحكيم رائد المسرح الذهني ايضا كان حقوقيا وعمل في السلك القضائي في مصر حتى سحره المسرح اثناء دراسته في فرنسا مطلع عشرينيات القرن الماضي والثقافة الاوربية ومن قبلها الفلسفة اليونانية، الى ان وقع تحت يدي كتاب نقدي قييم للدكتور شجاع مسلم العاني بعنوان البناء الفني للرواية العراقية، تناول باسلوب شييق الروايات العراقية الشهيرة مثل النخلة والجيران للكاتب غائب طعمة فرمان والبحث عن وليد مسعود للكاتب الفلسطيني المولد العراقي الهوى جبرا ابراهيم جبرا، فكان هذا الكتاب نقطة التحول في مسيرتي الثقافية وفور فراغي من قراءته اتخذت قراري بتأليف روايتي الاولى المعنونة طواحين الهوا / بغداد دمشق لندن والتي تدور معظم احداثها في العراق مع محطات مختلفة في عمان ودمشق ولندن بالاضافة لتركيا وكندا، فكنت أنا الشخص الذي ابتلعته الرواية، حيث اكتشفت عالم الرواية الشييق وكيف ترى شخوصك في كثير من الأحيان يتجادلون مع بعضهم البعض أو يتحاورون معك، فينمو لديك المخيال الذي هو بالأساس مرتع الابداع.

تعتبر الرواية من الفنون الجامعة حيث يمكن للرواية ان تحوي الشعر والخاطرة وفن الرسالة بالاضافة للسرد الذي يقوم عليه بناء الرواية، وبامكان الكاتب الروائي وبكل حرية أن يضمن روايته خلاصة تجربته ومعارفه بأسلوب شييق ورشيق، ويختلط هنا الذاتي بالموضوعي فمثلا في تجربتي الروائية الأولى “طواحين الهوا” وجدتني متأثرا برواية شقة الحرية للكاتب السعودي غازي القصيبي والتي قرأتها وأخذت بها في مرحلة دراستي الجامعية واحتلك جيزأ كبيرا من عقلي الباطن ككاتب، وبالمناسبة قد تكون من صفات الناقد الأدبي الجييد هي حسن استقراءه للعقل الباطن للكاتب فيعرف ما استقر في صدره قبل ما قيل في سطره، وبذلك يحقق فهما أعمق للنص، وبالعودة الى شقة الحرية فهي تتناول الحياة في مصر منتصف الخمسينيات، مصر التي تموج بالأفكار والمتغيرات وتعتمد التتابع الزمني في السرد ومع الوقت تصبح هذه الرواية وثيقة تاريخية، تتناول مصر ودول الخليج العربي التي جاء بطل الرواية منها ومن البحرين الوادعة  يسافرالى مصر الهادرة في ذاك الوقت، يحمل معه مجموعة من  الاسئلة وأثناء دراسته للحقوق في القاهرة يحاول الاجابة عليها، لكن بعد تخرجه يعود الى البحرين وقد حمل معه بدلا من الاجابات مزيدا من الأسئلة، فاعتمدت في روايتي الزمن المستمر أو التتابع الزمني لأنه يسهل على القارئ تناول الأحداث التاريخية وربطها مع الشخوص في تفاعلهم معها واسهامهم في صناعة الحدث، اضافة الى عدم تمكني من تقنيات الكتابة عبر الزمن الحلزوني أو تقنية “الفلاش باك” التي انتقلت من السينما الى الرواية والتي كان يجيدها الكاتب المخضرم جبرا ابراهيم جبرا، الذي كتب رواية البحث عن وليد مسعد بتقنية الزمن الحلزوني حيث يسير الزمن  السردي من نقطة معينة ويبتعد عنها ثم يعود الى نفس تلك النقطة ويبتعد عنها ويعود وهكذا.

لمدة ثلاثين عاما من حياتي كانت المحاماة هي الزوجة وبدخول رواية طواحين الهوا الى حياتي اصبحت الرواية هي العشيقة، ومع مطلع هذا العام عندما تقاعدت من المحاماة اصبحت الرواية هي من تتربع على عرش القلب.

قد يعجبك ايضا