المطلوب إعادة إحياء التكافل المجتمعي الفلسطيني وبناء الوعي الجمعي والفكري للأجيال القادمة
بقلم د. تيسير فتوح حجه …..
الأمين العام لحركة عدالة
في ظل ما يمر به شعبنا الفلسطيني من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، أصبح من الضروري إعادة إحياء مفهوم التكافل المجتمعي كقيمة أصيلة من قيم مجتمعنا الفلسطيني الذي لطالما تميز بالتماسك والتعاضد في مواجهة الأزمات والمحن. فالمجتمع الذي يضعف فيه التكافل، يفتح الباب واسعاً أمام التفكك الاجتماعي وتراجع روح المسؤولية الجماعية، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتنا في مواجهة الاحتلال ومخططاته.
لقد كان التكافل عبر التاريخ أحد أهم عوامل صمود شعبنا؛ حيث كانت العائلة الممتدة، والحي، والقرية، والمؤسسات الأهلية تشكل شبكة أمان اجتماعي تحمي الفقراء والمحتاجين وتدعم الأسر المنكوبة. إلا أن التحولات الاقتصادية الصعبة، واتساع الفجوة بين الطبقات، وانتشار ثقافة الفردية والمصالح الضيقة، كلها عوامل ساهمت في تراجع هذا الدور الحيوي.
إن إعادة إحياء التكافل المجتمعي لا تعني فقط تقديم المساعدات المالية، بل تتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة مجتمعية قائمة على المسؤولية المشتركة، حيث يشعر كل فرد أنه شريك في حماية المجتمع وصون كرامة أفراده. فالمجتمع المتكافل هو مجتمع أكثر قدرة على الصمود وأكثر مناعة في مواجهة الأزمات.
ومن هنا تأتي أهمية بناء الوعي الجمعي والفكري لدى الأجيال القادمة، لأن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة الأرض والسياسة، بل هي أيضاً معركة وعي وهوية وانتماء. فالأجيال التي تنشأ على قيم التضامن والانتماء الوطني والعدالة الاجتماعية ستكون أكثر قدرة على حمل المشروع الوطني والدفاع عنه.
إن حركة عدالة ترى أن بناء الوعي الجمعي يجب أن يبدأ من الأسرة، مروراً بالمدرسة والجامعة، وصولاً إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. فهذه المنظومة مجتمعة مسؤولة عن ترسيخ قيم الانتماء والعمل الجماعي والتكافل، بدلاً من ثقافة الأنانية والتنافس غير الصحي.
كما أن المسؤولية لا تقع على الأفراد فقط، بل على المؤسسات الرسمية والأهلية التي يجب أن تعمل على إطلاق مبادرات وبرامج تعزز روح التضامن بين أبناء المجتمع، وتعيد الاعتبار للعمل التطوعي، وتدعم المشاريع المجتمعية التي تخدم الفئات الأكثر حاجة.
إننا اليوم بحاجة إلى إعادة بناء الثقة داخل المجتمع الفلسطيني، وإلى استعادة الروح التي جعلت شعبنا يقف صفاً واحداً في أصعب المراحل التاريخية. فالتكافل ليس خياراً اجتماعياً فقط، بل هو ضرورة وطنية تعزز صمود شعبنا وتمنحه القدرة على مواجهة التحديات.
وفي هذا السياق تؤكد حركة عدالة أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يعتمد فقط على التحركات السياسية والدبلوماسية، بل يعتمد أيضاً على قوة المجتمع وتماسكه ووعيه. فالمجتمع الواعي والمتكافل هو القاعدة الصلبة لأي مشروع وطني يسعى إلى الحرية والكرامة والاستقلال.
إن مسؤوليتنا اليوم تجاه الأجيال القادمة تفرض علينا أن نعيد بناء منظومة القيم التي تحفظ مجتمعنا من التفكك، وأن نزرع في نفوس أبنائنا ثقافة التضامن والعدالة والانتماء، حتى يبقى الشعب الفلسطيني قادراً على الصمود والاستمرار في نضاله المشروع من أجل الحرية والكرامة.
الكاتب من فلسطين