هزّاع المجالي: شهيد الواجب وسادنُ الكرامة الوطنية
بقلم: محمد الميناوي …..
حين نفتح صفحات المجد الأردني، يطل علينا وجه الشهيد هزاع المجالي كرمزٍ للعنفوان والانتماء الصادق. وُلد هزاع في عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر في قلب الكرك الأبية، في تلك اللحظات التاريخية التي كان فيها والده يخوض غمار الثورة العربية الكبرى، وكأن القدر أراد لهذا المولود أن يرضع حب الأردن مع أنفاسه الأولى.
نشأ هزاع في مدرسة الكرك الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة السلط الثانوية، تلك المنارة التي خرجت رجالات الرعيل الأول، حيث تشكل وعيه القومي والوطني، قبل أن يشد الرحال إلى جامعة دمشق السورية ليعود منها حاملاً إجازة الحقوق في عام ألف وتسعمائة وستة واربعين، متسلحاً بالعلم لخدمة وطنه.
بدأ هزاع مسيرته من القاعدة، فعمل مساحاً للأراضي وكاتباً في المحاكم، مما جعله قريباً من نبض الناس وهمومهم الأرضية. ولم يمضِ وقت طويل حتى لفتت نباهته وإخلاصه أنظار القيادة الهاشمية، فالتحق بالتشريفات الملكية، ثم انطلق في ميدان السياسة والخدمة العامة. في عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، تولى رئاسة بلدية عمان، وفي عهده شهدت العاصمة نهضةً عمرانية لافتة، من شق الطرق وتحسين شبكات المياه، واضعاً اللبنات الأولى لعمان الحديثة بلمسة القائد الذي لا يهدأ.
رجل الدولة والمواقف الصعبة 🇯🇴 ✨
تدرج الشهيد هزاع في المناصب الوزارية، فكان وزيراً للداخلية ثم العدل، وأسهم في تأسيس الحزب الوطني الاشتراكي، مؤمناً بأن العمل الحزبي هو الركيزة الأساسية للديمقراطية. وفي عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين، عُهد إليه بتشكيل حكومته الأولى وهو في عزّ شبابه، ليثبت أن الكفاءة لا تقاس بالعمر بل بالإنجاز. لم يكتفِ بالعمل السياسي، بل اقتحم ميدان الصحافة بجريدة “صوت الأردن”، ليكون قريباً من الرأي العام، مدافعاً عن حقوق الأردنيين بلسانه وقلمه.
عاد هزاع لتشكيل حكومته الثانية في عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين، وهي الحكومة التي شهدت تعاوناً تاريخياً بينه وبين الشهيد وصفي التل، الذي عينه هزاع مديراً للتوجيه الوطني. كانت رؤية هزاع تقوم على الانفتاح والبناء، حيث خصص يوم الاثنين من كل أسبوع لاستقبال المواطنين والاستماع لمظالمهم، فكان مكتبه مشرعاً للفقير قبل الغني، وللمحتاج قبل الوجيه، مؤكداً أن المسؤول هو خادمٌ للشعب لا سيدٌ عليه.
يوم الاستشهاد المرّ.. والرحيل نحو الخلود 🥀
في التاسع والعشرين من آب لعام ألف وتسعمائة وستين، كان القدر يتربص بهذا الفارس.
وبينما كان هزاع يؤدي واجبه المقدس في استقبال المواطنين بمبنى رئاسة الوزراء، وقع الانفجار الآثم الذي أراد مغتالوه النيل من الأردن بأسره. ارتقى هزاع شهيداً وهو في الثالثة والأربعين من عمره، مخضباً بدمه الطاهر الذي رُشّ على أوراق المراجعين، لتفقد المملكة واحداً من أخلص رجالها. وقد كان من المقرر أن يزوره جلالة الملك الحسين بن طلال بعد الانفجار بوقت قصير، مما أكد أن المؤامرة كانت تستهدف قمة الهرم الوطني، لكن الله سلم الحسين، وارتقى هزاع ليكون منارةً للتضحية.
الأشبال من ذاك الأسد: امتداد العطاء في أنجاله الكرام 💎
لم يرحل هزاع تماماً، فقد ترك خلفه “مدرسة الهزاع” متمثلةً في أنجاله الكرام الذين ساروا على نهجه في الخدمة العامة، وأصبح لكل منهم اسمٌ محفور بالذهب في تاريخ الأردن المعاصر:
الأستاذ أمجد هزاع المجالي: الذي سار على خطى والده في السياسة والحكم، فشغل منصب وزير العمل ومستشاراً في الديوان الملكي، وكان صوتاً وطنياً رصيناً في مجلس النواب، متميزاً بصلابة الموقف والتمسك بالثوابت الوطنية التي تربى عليها في بيت الشهيد.
الأستاذ أيمن هزاع المجالي: الذي برز كقامةٍ دبلوماسية وإدارية رفيعة، وتولى منصب رئيس التشريفات الملكية ونائباً لرئيس الوزراء، متمثلاً في رقيه وتعاملة تلك المدرسة الهاشمية التي كان والده أحد أركانها، حاملاً إرث الوفاء للعرش والوطن.
الأستاذ حسين هزاع المجالي: الذي خدم في ميادين الشرف العسكرية والأمنية، وتولى قيادة الأمن العام ثم وزارة الداخلية، فكان “حسين الهزاع” كما عرفه الأردنيون، يجمع بين الحزم العسكري واللين الإنساني، مكملاً مسيرة والده في حماية أمن الأردن واستقراره.
لقد أثبت هؤلاء الأبناء أن جينات الشهادة والوفاء تورث كما يورث الكرم، فكانوا نعم الخلف لخير سلف.
رحم الله الشهيد هزاع المجالي، ذلك الرجل الذي عاش قصيراً لكنه صنع تاريخاً طويلاً. ستبقى ذكراه في قلوبنا ما دام في الأردن نبض، وما دام في عروق رجاله دماءٌ تجري بحب الوطن. فسلامٌ على روحك في جنان الخلد، وبارك الله في ذريتك التي لا تزال ترفع اسم المجالي عالياً في سماء الأردن الغالي.
محمد الميناوي