محمد غزال: صراع الـ2500 عام من تحالفات التاريخ إلى معركة رسم خريطة مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط

محمد غزال  ….

قال المفكر السياسي محمد غزال، رئيس إئتلاف الجبهة الوطنية الديمقراطية، إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من تصاعد في وتيرة الصواريخ والمسيّرات والتحركات العسكرية لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق تاريخي ممتد لأكثر من خمسة وعشرين قرناً، مشيراً إلى أن التوتر القائم بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لمسار طويل من الصراعات والتحالفات التي تشكلت عبر التاريخ، حيث يتجاوز هذا الصراع حدود الجغرافيا والموارد ليصل إلى عمق الهوية والعقيدة وطموحات الإمبراطوريات.

وأضاف “غزال” أن اللحظة التأسيسية لهذا المسار تعود إلى العصر الأخميني، حين دخل الملك الفارسي كورش الكبير مدينة بابل عام 539 قبل الميلاد، منهياً السبي البابلي لليهود، ومتيحاً لهم العودة إلى القدس وإعادة بناء الهيكل، موضحاً أن هذه الواقعة لم تكن مجرد حدث سياسي، بل أسست لما يمكن وصفه بـ”التحالف الاستراتيجي الأول”، الذي رسخ في الذاكرة اليهودية صورة الفارس كحليف تاريخي.

وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن التحولات الكبرى في الهوية الفارسية جاءت مع سقوط الإمبراطورية الساسانية في أعقاب معركة القادسية عام 636 ميلادية، حيث لم يختفِ الفرس بل أعادوا تشكيل أنفسهم داخل الإطار الإسلامي، مع الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية، مشيراً إلى أن تبلور التشيع لاحقاً منح إيران بعداً سياسياً مميزاً، استخدم كأداة للحفاظ على الهوية القومية في مواجهة محيط سني أوسع.

وأشار إلى أن الدولة الصفوية في القرن السادس عشر مثلت نقطة مفصلية، حين تم تكريس التشيع كمذهب رسمي للدولة، وهو ما أدى إلى عزلة مذهبية وجيوسياسية، دفعت إيران للبحث عن حلفاء خارج نطاقها المباشر، في نمط من السلوك السياسي الذي استمر بأشكال مختلفة حتى العصر الحديث.

وشدد على أن مرحلة ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979 شهدت تقارباً لافتاً بين إيران وإسرائيل في إطار ما عُرف بعقيدة “الطرف”، حيث جمعهما عدو مشترك تمثل في القومية العربية، لافتاً إلى أن هذا التقارب تجسد في تعاون أمني واستخباراتي وتبادل للمصالح، بما في ذلك إمدادات النفط والتنسيق الاستراتيجي.

وأكد علي أن الثورة الإسلامية شكلت نقطة تحول جذرية أعادت صياغة خريطة التحالفات، حيث تحولت إسرائيل إلى عدو معلن، والولايات المتحدة إلى خصم رئيسي، موضحاً أن إيران تبنت منذ ذلك الحين استراتيجية تقوم على دعم الحلفاء الإقليميين وتوسيع نفوذها عبر ما يُعرف بالحروب غير المباشرة، بما أدى إلى خلق نطاق نفوذ ممتد يطوق خصومها.

وأضاف أن المشهد الراهن يعكس صراعاً بين ثلاث رؤى استراتيجية متناقضة؛ الأولى تسعى فيها إيران إلى ترسيخ دورها كقوة إقليمية كبرى تمتلك أدوات ردع متقدمة، والثانية تعمل فيها إسرائيل على الحفاظ على تفوقها النوعي ومنع أي تهديد وجودي، بينما تمارس الولايات المتحدة دور الضابط الذي يسعى إلى منع الانفجار الشامل مع الحفاظ على توازن القوى.

وأوضح أن ما يجري اليوم من حروب بالوكالة وضربات محدودة يعكس محاولة مدروسة من جميع الأطراف لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع الحفاظ على معادلة ردع متبادلة، مؤكداً أن جوهر الصراع يتجاوز الملفات النووية أو الموارد الطبيعية ليصل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل مستقبل المنطقة.

وأشار إلى أن استدعاء الرموز التاريخية، من إرث الإمبراطوريات القديمة إلى التحولات الدينية والسياسية، يكشف أن الصراع الحالي هو امتداد لسرديات تاريخية لم تُغلق فصولها بعد، بل يعاد توظيفها في سياقات حديثة لخدمة أهداف استراتيجية معاصرة.

وشدد على أن الشعوب تظل الطرف الأكثر تضرراً من هذا الصراع الممتد، حيث تتحمل كلفة التنافس الجيوسياسي والتصعيد العسكري، في ظل غياب أفق واضح لتسوية شاملة ومستدامة.

وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، وأن استمرار إدارة الصراع دون حلول جذرية ينذر بمزيد من التعقيد والتصعيد، مشيراً إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط حول طبيعة الصراع، بل حول من سيكتب الفصل القادم في تاريخ الشرق الأوسط.

الكاتب من مصر

قد يعجبك ايضا