من باع فلسطين؟… أكذوبة تُجلد بها الضحية

محي الدين غنيم  ……

 

في كل منعطف سياسي، تخرج علينا أبواق حاقدة وقذرة  لتُعيد تدوير الرواية الأخطر: “ الفلسطينيون باعوا أرضهم ”. رواية رخيصة، لكنها سامة ومقززة … لأنها لا تكتفي بتزييف التاريخ، بل تُحمّل الضحية وزر الجريمة، وتبرئ المحتل من فعلته.
الحقيقة الصلبة التي لا تقبل المساومة أن ما جرى عام النكبة لم يكن صفقة بيع، بل جريمة اقتلاع جماعي لشعب من أرضه بقوة السلاح والمجازر والإرهاب المنظم. قرى أُحرقت، مدن أُفرغت وأُناس خرجوا على عجل … لا يحملون معهم إلا مفاتيح بيوتهم وذاكرة لا تموت.
أما خرافة “ البيع ” فحقيقتها مختلفة تمامًا: قبل عام 1948، وضمن ظروف معقدة في أواخر العهد العثماني ثم الانتداب البريطاني، كانت هناك عمليات شراء محدودة للأراضي، لم يكن أبطالها “ الشعب الفلسطيني ” كما يروّج، بل سماسرة وتجار كثير منهم من خارج فلسطين ، استغلوا الثغرات القانونية وضعف بعض المُلّاك الكبار أو غيابهم، فاشتروا مساحات محدودة ثم باعوها لاحقًا للحركة الصهيونية.
ومن بين الأسماء التي وردت في وثائق تاريخية ونقاشات مؤرخين حول وساطة بيع الأراضي (مع التأكيد أن القضية أعقد من اختزالها بأسماء معدودة):
* سركيس سارسق وعائلة سرسق اللبنانية التي امتلكت أراضي واسعة في مرج ابن عامر.
* ميشال سرسق ضمن ذات العائلة الإقطاعية.
* يوسف نحاس (يُذكر اسمه في بعض السجلات المرتبطة بعمليات البيع والوساطة) .
هذه الصفقات على محدوديتها لا تمثل “ الشعب الفلسطيني ”، بل طبقة من كبار المُلّاك والسماسرة، وبعضهم لم يكن يقيم أصلا في فلسطين. وحتى وفق دراسات تاريخية عديدة، فإن مجموع ما تم شراؤه قبل 1948 لم يتجاوز نسبة ضئيلة من مساحة فلسطين التاريخية، بينما الغالبية الساحقة من الأرض بقيت ملكًا للفلسطينيين حتى لحظة اقتلاعهم بالقوة ولغاية يومنا هذا .
التهجير لم يكن خيارا … بل فوهة بندقية : الفلسطيني لم يوقّع على عقد بيع وهو يركض تحت القصف. لم يسلّم مفاتيحه طوعا، بل خرج تحت وقع المجازر مثل دير ياسين وغيرها. خرج وهو يظن أن الغياب أيام … فصار عقودًا.
ثم ماذا بعد؟ تفرّق الفلسطيني في أصقاع الأرض … في الأردن ولبنان وسوريا والخليج وأوروبا والأمريكيتين. لم يكن يحمل ثروة منهوبة من “بيع أرضه”، بل حمل كرامته وعلمه وإصراره. فكان طبيبًا ومهندسًا وعاملًا ومعلّمًا … بنى نفسه من الصفر، وشيّد حياة كريمة لعائلته رغم مرارة اللجوء وأينما تواجد الفلسطيني كان هناك العمار  ولا أحد ينكر ذلك والشواهد كثيرة  .
خلاصة القول التي لا يريدون سماعها : لم يبع الشعب الفلسطيني أرضه.
ما جرى كان اقتلاعًا قسريًا تحت الاحتلال.
عمليات البيع المحدودة قام بها سماسرة ومُلّاك كبار بعضهم من خارج فلسطين ولا تمثل شعبًا كاملًا.
تحميل الضحية مسؤولية الجريمة هو تزوير أخلاقي قبل أن يكون تزويرا تاريخيًا.
إن ترديد مقولة “ باعوا أرضهم ” ليس جهلًا فقط … بل مشاركة في الجريمة نفسها، لأنها تقتل الحقيقة وتمنح المحتل روايةً مريحة.
وفلسطين بكل ما فيها لم تكن يومًا سلعة… ولن تكون.

وهذه رسالتي لكل الأبواق الحاقدة والقذرة على الشعب الفلسطيني  والتي تتهمه بتلك الإتهامات الكاذبة ؛ ولكل إنسان فاشل توهم بأن الفلسطيني قد حل محله وأخذ رزقه  .

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا