الحرب الإيرانية الإسرائيلية ونبوءة البقرة الحمراء بين الواقع والخيال
بقلم د. تيسير فتوح حجة …..
الأمين العام لحركة عدالة
في خضم التصعيد المتسارع بين إيران وإسرائيل، تتداخل السياسة بالعقيدة، وتُستحضر الأساطير الدينية في سياق صراع معقّد تتجاوز أبعاده الجغرافيا والسياسة إلى عمق التاريخ والرواية الدينية. وفي هذا الإطار، تعود إلى الواجهة ما يُعرف بـ”نبوءة البقرة الحمراء”، التي يروّج لها بعض التيارات الدينية المتطرفة كمدخل لتحقيق رؤى تتعلق بإعادة بناء الهيكل المزعوم في المسجد الأقصى.
إن الحديث عن الحرب الإيرانية الإسرائيلية لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية والدولية، فإيران تسعى لتثبيت حضورها الإقليمي عبر أدوات متعددة، في حين ترى إسرائيل في هذا التمدد تهديدًا وجوديًا يستوجب الردع وربما المواجهة المباشرة. لكن الأخطر في هذا المشهد، هو توظيف بعض الجماعات المتطرفة لهذه التوترات في إطار ديني–أسطوري، لتبرير مشاريعها التي تستهدف المقدسات الإسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى.
“البقرة الحمراء” ليست سوى رمز ديني ورد في بعض النصوص التوراتية، ويتم تفسيره من قبل جماعات معينة كشرط طقوسي لإعادة بناء الهيكل. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة محاولات عملية لاستحضار هذه الرمزية، من خلال استيراد أبقار حمراء إلى الأراضي المحتلة، وإقامة طقوس تدريبية تمهيدًا لتحقيق هذه النبوءة المزعومة.
غير أن الربط بين هذه النبوءة وبين اندلاع حرب إقليمية كبرى، يندرج في إطار التهويل والتضليل، ويُستخدم كأداة لحشد الرأي العام الديني، وخلق حالة من الترقب والتهيئة النفسية لتقبل سياسات عدوانية. فالحروب لا تُبنى على النبوءات، بل على المصالح، والتحالفات، وموازين القوى.
من منظور حركة عدالة، فإن استحضار هذه الروايات في سياق الصراع يُعد خطرًا مزدوجًا: فهو من جهة يُغذي الفكر المتطرف، ومن جهة أخرى يُبعد الأنظار عن جوهر القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، تُعالج وفق القانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، لا وفق أساطير دينية أو نبوءات غيبية.
إن ما يجري اليوم يتطلب وعيًا وطنيًا جامعًا، يعيد البوصلة نحو الثوابت الفلسطينية، ويُحصّن المجتمع من الانجرار وراء الروايات المضللة. كما يتطلب موقفًا عربيًا وإسلاميًا موحدًا، يرفض المساس بالمقدسات، ويُدرك أن الصراع في جوهره سياسي–استعماري، لا ديني–قدري.
وفي الختام، فإن الحرب – إن وقعت – لن تكون تحقيقًا لنبوءة، بل نتيجة لفشل النظام الدولي في كبح جماح الاحتلال، وغياب العدالة في التعامل مع حقوق الشعب الفلسطيني. أما “البقرة الحمراء”، فستبقى في إطار الخيال الديني، ما لم يُسمح للمتطرفين بتحويلها إلى أداة لفرض واقع جديد بالقوة.
حركة عدالة تؤكد أن حماية المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، مسؤولية وطنية وقومية، وأن مواجهة المشاريع التهويدية تتطلب وحدة الصف، ووضوح الرؤية، والتمسك بالحق الفلسطيني الثابت، بعيدًا عن الأوهام والأساطير.
الكاتب من فلسطين