إذا بُليتم بحبّ الصهاينة… فاستتروا !
محي الدين غنيم …..
في زمنٍ تختلط فيه الحقائق بالدعاية، وتتصارع فيه الروايات كما تتصادم الصواريخ، لم يعد غريبًا أن نسمع أصواتا نشازا تحاول إعادة تعريف البديهيات ولا أن نرى أبواقًا مأجورة تلبس ثوب “التحليل” لتبرير الانحياز للعدو وتخوين من يقف في وجهه.
في ظلّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، خرجت علينا فئة تُجاهر بما كان يُقال همسا، وتسوّق لفكرة خطيرة مفادها أن “الخطر الإيراني” يفوق الخطر الصهيوني، متجاهلة عقودا من الاحتلال والقتل والتهجير والعدوان المستمر على فلسطين والمنطقة. هذا الطرح ليس بريئًا، بل يحمل في طيّاته انقلابا خطيرًا على الوعي الجمعي، ومحاولة مفضوحة لإعادة توجيه البوصلة.
إن من يساوي بين من يقاوم الهيمنة، ومن يمارس الاحتلال، أو من يُقدّم العدو التاريخي كخطر ثانوي، إنما يشارك بوعي أو بغير وعي في تبييض صفحة المعتدي وتضليل الرأي العام، وخدمة أجندات لا تمتّ لمصالح الأمة بصلة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الأصوات لم تعد خجولة، بل باتت تخرج عبر منابر إعلامية ومنصات رقمية مدعومة بخطاب موجه بعناية، يهدف إلى اختراق الوعي العربي وتفكيك حالة الإجماع حول القضية المركزية: فلسطين.
ليس المطلوب من الجميع أن يتفقوا في تقييمهم لكل الأطراف، ولا أن يتبنوا مواقف موحدة تجاه كل الصراعات، لكن الحد الأدنى من النزاهة يقتضي ألا يتم تزييف الحقائق، أو القفز فوق التاريخ، أو تبرئة من تلطخت يداه بدماء الأبرياء.
إن الانحياز للاحتلال الصهيوني بأي صيغة كانت ليس “رأيًا آخر”، بل سقوط أخلاقي وانحدار سياسي وخيانة لدماء الشهداء وذاكرة الشعوب. ومن أراد أن يسلك هذا الطريق، فليفعل… لكن دون أن يطالب الآخرين باحترام هذا السقوط أو القبول به كوجهة نظر.
في زمن المواجهة، لا مكان للحياد الزائف ولا للمواقف الرمادية التي تخفي انحيازا واضحًا. فإما أن تكون مع الحق أو تصطف صراحة أو ضمنيًا مع الباطل.
وختامًا، نقولها بوضوح: إذا بُليتم بحبّ الصهاينة… فاستتروا، لأن الجهر بالخيانة لن يجعلها أقلّ قبحا، بل سيكشف أصحابها، مهما حاولوا التجمّل بشعارات التحليل والموضوعية.
الكاتب من الأردن