وأنا أقرأ مقال عمران الخطيب.. كشفتُ “زيف” الدعم العربي الذي تعثر بعد أوسلو

بقلم: نجيب الكمالي ……

 

رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين

لقد كانت قراءتي لمقال الزميل عمران الخطيب بعنوان “الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية: بين ضغوط الاحتلال ومسؤولية الإنقاذ العربي” لحظة فارقة. ففي كل سطر من سطور المقال، أدركتُ أنني كنت أغمض عينيّ عن حقيقة لا بد من مواجهتها. مقولة “الدعم العربي المستمر لفلسطين” لم تكن سوى شعار فارغ، وشعرتُ أنني كنتُ أعيش تحت قشرة من التوقعات المثالية التي لا تمت للواقع بصلة.
كشف الخطيب في مقاله جوانب مريرة من الحقيقة التي حاولتُ، مثل غيري، أن أتجاهلها لسنوات طويلة. فمنذ بداية التسعينيات، وتحديدًا بعد حرب الخليج، توقف الدعم العربي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتحول تدريجيًا إلى السلطة الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو. وكأننا كنا نعيش في كذبة مُهندسة بعناية على مدار سنوات، حيث كانت وسائل الإعلام العربية تتحدث عن “الدعم العربي المستمر” لفلسطين، بينما كان هذا الدعم في الواقع يتلاشى ويُشترط بأجندات سياسية خاصة.
في مقاله، يوضح الخطيب كيف أن الدول العربية بدأت تخلّيها عن دعمها المالي المباشر منذ حرب الخليج، واعتُبر دعم أوسلو تحولًا استراتيجيًا جديدًا. لكن هذا التحول لم يكن خطوة للأمام نحو تمكين فلسطين، بل إلى تجزئة الدعم وتوجيهه إلى السلطة الفلسطينية التي أصبحت تعتمد على مساعدات مشروطة، مما أضعف قوة الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية. وبدلاً من أن يكون اتفاق أوسلو مدخلًا لتوحيد الدعم، كان بمثابة مدخل لتقسيمه.
أدهشني أكثر ما ذكره الخطيب عن الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي دفع ثمن تمسكه بالثوابت الفلسطينية. كان يدافع عن القدس وعن حقوق اللاجئين، ولكنه وُجه بحصار سياسي وإعلامي وحُكم عليه بالعزلة بعد رفض التنازلات المذلة التي كانت تطالب بها إسرائيل. في تلك اللحظات، كانت الدول العربية بعيدة عن تقديم أي دعم فعلي يُذكر. وعندما وصلنا إلى مرحلة الرئيس محمود عباس، ورغم الإنجازات التي حققها على الساحة الدولية مثل الحصول على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، فإن هذا التقدم كان يقابله المزيد من الضغوط العقابية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وغياب شبه كامل للتحرك العربي الجاد في دعم السلطة الفلسطينية.
وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يكون فيه الدعم العربي لفلسطين ركيزة أساسية لبقاء القضية الفلسطينية، أصبح هذا الدعم مجرد شعار إعلامي تُستخدم فيه الكلمات والمواقف السياسية في المناسبات الرسمية والقمم، بينما الواقع يقول غير ذلك. الدعم العربي الذي نتحدث عنه لا يكاد يتجاوز التصريحات، وكأننا جميعًا نكتفي بالحديث دون أن نتخذ خطوات حقيقية.
أمام هذا الواقع، يجب أن نواجه الحقائق كما هي. لا يمكننا الاستمرار في إخفاء الحقيقة أو تجاهلها. يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، ونعترف أن الدعم العربي لفلسطين لم يعد كما كان في الماضي. آن الأوان لأن نعمل من أجل بناء استراتيجية جديدة من خلال العمل على دعم حقيقي، يتجاوز الشعارات والكلمات، ويترجم إلى خطوات عملية.
كيف سنواجه هذا الواقع؟ وكيف نتحمل مسؤوليتنا كصحفيين عرب في نقل الحقائق بدلاً من التغاضي عنها؟ آن الأوان أن نكون صوتًا حقيقيًا يتحدث بالحقائق دون مجاملة أو مواربة. نحن الصحفيين لدينا دور كبير في تسليط الضوء على هذه الحقائق المؤلمة، ونقلها إلى الرأي العام العربي والعالمي على حد سواء، حتى تكون القضية الفلسطينية أكثر من مجرد شعارات، بل قضية حية وملموسة في كل خطوة نتخذها.

قد يعجبك ايضا