الكتابة كملاذ أخير: لماذا نعود للكلمة حين نُهزم؟

بقلمي: د. سُداد البغدادي ……
العراق – بغداد

في اللحظات التي تضيق فيها الحياة حتى تكاد تختنق داخل صدورنا، لا نبحث عن العالم… بل نهرب منه.
ننسحب بهدوء، دون إعلان، دون ضجيج، ونحمل معنا ما تبقى منّا: خيبات صغيرة، أسئلة بلا إجابة، وشيئًا يشبه الانكسار لكنه لا يريد أن يُسمّى.
هناك، في تلك المسافة الخفية بين الصمت والبوح، نعود إلى الكلمة.

ليست الكتابة ترفًا كما يظن البعض، ولا هواية تُمارس حين يفيض الوقت، بل هي—في أعمق تجلياتها—فعل نجاة.
حين يعجز الإنسان عن الصراخ، يكتب.
حين لا يجد من يفهمه، يكتب.
حين تتراكم الهزائم داخله دون أن تجد مخرجًا، تتحول إلى حروف، وكأن اللغة تُعيد ترتيب الألم ليصبح قابلًا للحياة.

الكتابة ليست مجرد نقل لما نشعر به، بل إعادة خلقه.
نحن لا نكتب لأننا نعرف ما نريد قوله، بل لأننا نحاول أن نفهمه.
كل جملة هي محاولة لترميم شيء مكسور، وكل نص هو حوار صامت بيننا وبين أنفسنا، نحاول فيه أن نصل إلى معنى، أو على الأقل إلى سلام مؤقت.

حين يُهزم الإنسان، لا يخسر كل شيء.
تبقى لديه مساحة صغيرة لا يطالها أحد، مساحة داخلية خفية، لا سلطة عليها سوى الوعي.
وهنا تحديدًا تولد الكتابة.
هي ليست رد فعل مباشر، بل مقاومة هادئة، مقاومة لا تُرفع فيها الشعارات، بل تُكتب فيها الحقيقة كما هي: عارية، مؤلمة، وصادقة.

نكتب لأن العالم لا يصغي بما يكفي.
نكتب لأن الكلمات التي لم تُقال تتحول إلى عبء ثقيل، ولأن الصمت الطويل يُرهق الروح.
في الكتابة، نمنح أنفسنا حق الاعتراف، حتى لو لم يسمعنا أحد.
يكفي أننا سمعنا أنفسنا.

هناك شيء عجيب في العلاقة بين الهزيمة والكتابة.
ففي الوقت الذي تبدو فيه الهزيمة نهاية، تتحول—عبر الكلمة—إلى بداية من نوع آخر.
نبدأ بفهم أنفسنا بشكل أعمق، نرى ما لم نكن نراه، ونعترف بما كنا نهرب منه.
الكتابة لا تُنقذنا من الألم، لكنها تمنحه معنى، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الخلاص.

ولعل أجمل ما في الكتابة أنها لا تشترط القوة.
يمكنك أن تكون هشًّا، مرتبكًا، خائفًا… وتكتب.
بل إن الكتابة الحقيقية لا تولد إلا من هذا الهشاش، من تلك اللحظة التي يسقط فيها القناع، ويظهر الإنسان كما هو، دون تزويق.

نحن لا نكتب لنكون أقوى، بل لنكون صادقين.
ولا نكتب لنُثبت شيئًا للعالم، بل لنُعيد ترتيب أنفسنا داخليًا.
وفي كل مرة نكتب فيها، نُرمم جزءًا صغيرًا منّا، حتى وإن لم نشعر بذلك فورًا.

الكتابة، في جوهرها، ليست هروبًا… بل مواجهة.
لكنها مواجهة من نوع مختلف، لا تعتمد على الصراخ أو الصدام، بل على الفهم والتأمل.
نواجه أنفسنا أولًا، ثم العالم، ولكن عبر الكلمات.

ولهذا، حين نُهزم، لا نبحث عن ضجيج يغطّي على انكسارنا، بل نبحث عن ورقة.
عن مساحة صامتة، نستطيع أن نضع فيها كل شيء دون خوف.
نعود للكلمة، لأنها لا تحاكمنا، لا تخذلنا، ولا تطلب منا أن نكون أفضل مما نحن عليه.

نعود للكلمة… لأنها المكان الوحيد الذي يمكن أن نكون فيه كما نحن، دون اعتذار.

قد يعجبك ايضا