هزيمة تحالف الإستكبار أمام المحور
نبيل الجمل ……
في أبريل لعام ألفين وستة وعشرين، يقف التاريخ شاهداً على تحول جيوسياسي وعسكري لم يشهده العالم منذ عقود، حيث تهاوت أركان الغطرسة الأمريكية والصهيونية تحت ضربات محور المقاومة في معركة أثبتت أن موازين القوى لم تعد تُقاس فقط بالتكنولوجيا المادية، بل بإرادة الشعوب ودقة التخطيط الميداني. إن هذه اللحظة الفارقة، التي جاءت رداً حاسماً على العدوان الغاشم الذي استهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أسفرت عن حصيلة مرعبة من الخسائر التي طالت كافة مفاصل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية للعدوان، محولةً المواجهة من رهان على ضربات خاطفة إلى مستنقع استنزاف تاريخي أدى إلى انكسار الهيبة التي طالما تفاخرت بها واشنطن وتل أبيب أمام المجتمع الدولي.
لقد سجلت البيانات الميدانية والتقارير الموثقة نزيفاً بشرياً حاداً في صفوف النخبة العسكرية التابعة للعدوان، حيث قُتل وأصيب المئات من الجنود والضباط والقادة الميدانيين في سلسلة من الهجمات الصاروخية والجوية الدقيقة التي استهدفت القواعد العسكرية الإستراتيجية في العراق وسوريا والأردن، وصولاً إلى مراكز القيادة والسيطرة في منطقة الخليج العربي. ولم يكن الكيان الصهيوني بمنأى عن هذا الدمار، إذ حصدت الرشقات الصاروخية المباركة أرواحاً في صفوف قواته العسكرية وأحدثت حالة من الذعر والانهيار في جبهته الداخلية، مما أكد عجز المنظومات الدفاعية عن توفير الحماية الدنيا لمستوطنيه وقواته على حد سواء.
وفيما يخص الملحمة الجوية، فقد تحولت سماء المنطقة إلى مقبرة حقيقية لفخر الصناعات العسكرية الغربية، حيث تم توثيق سقوط أعداد هائلة من الطائرات الإستراتيجية والمقاتلة التي كانت تُعتبر عماد التفوق الجوي الأمريكي. شملت هذه الخسائر تدمير أربع مقاتلات من طراز F-15 ومقاتلة من طراز A-10، بالإضافة إلى الضربة القاصمة التي تمثلت في إسقاط طائرة الإنذار المبكر E-3 أواكس، والتي تُقدر قيمتها وحدها بنحو سبعمائة مليون دولار. كما شهدت المعركة تحطم ست طائرات تزود بالوقود من طراز KC-135، سقطت إحداها فوق غرب العراق مما أدى لمقتل طاقمها بالكامل، وطائرتين من طراز MC-130 المخصصة للعمليات الخاصة، فضلاً عن تحييد ست عشرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper وأربع مروحيات هجومية، وإسقاط مسيرة “هيرون” صهيونية فوق محافظة مركزي الإيرانية، مما كشف زيف ادعاءات التخفي الراداري والسيادة الجوية المطلقة.
هذا الانهيار الجوي تزامن مع شلل تام أصاب شبكة الدفاع الجوي والرادارات، حيث نجحت ضربات محور المقاومة في تدمير وتعطيل اثني عشر نظام رادار ومحطة أقمار صناعية، كان من أبرزها أنظمة AN/TPY-2 المرتبطة بنظام “ثاد” الأكثر تطوراً، وتدمير رادارات نظام “باتريوت” MIM-104، وهو ما جعل القواعد العسكرية الأمريكية مكشوفة تماماً أمام المسيرات الانقضاضية والصواريخ الباليستية. وقد طال الدمار ما لا يقل عن أربعين موقعاً وقاعدة عسكرية، مما أخرجها عن الخدمة الفعلية وحولها إلى ركام يجسد فشل الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في حماية مواقعها الحيوية في الشرق الأوسط.
ولم تتوقف الخسائر عند حدود البر والجو، بل امتدت لتغرق هيبة الأساطيل البحرية في مياه المنطقة، حيث شهد مضيق هرمز وبحر العرب عمليات نوعية أدت إلى غرق وتحطم سفن وناقلات وبارجات مرتبطة بمصالح العدوان، لعل أبرزها الناقلة Stena Imperative. وقد أجبر هذا الاستهداف البحري العدو على استنزاف مخزونه من الصواريخ الاعتراضية SM-2 وSM-6، والتي تكلف ملايين الدولارات للصاروخ الواحد، في محاولات يائسة للتصدي لمسيرات رخيصة التكلفة، مما خلق فجوة اقتصادية وعسكرية لا يمكن سدها، وجعل الملاحة المرتبطة بالعدوان تحت رحمة ضربات المقاومة.
اقتصادياً، تجاوزت التكلفة المباشرة للعمليات الأمريكية حاجز المائة مليار دولار بحلول مارس ألفين وستة وعشرين، مع طلب الإدارة الأمريكية ميزانية طوارئ إضافية بقيمة مائتي مليار دولار لمواجهة تداعيات الهزيمة. وقد انعكس هذا الفشل العسكري على الأسواق العالمية، حيث تجاوز سعر برميل برنت مائة وعشرين دولاراً، مما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار الوقود وتضخم معيشي داخل الولايات المتحدة لم يسبق له مثيل. وفي المقابل، قُدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة داخل الكيان الصهيوني بنحو خمسين مليار دولار، مما أدى إلى انهيار قطاعات حيوية وتوقف عجلة الإنتاج بفعل الشلل الأمني المستمر.
إن هذه الحصيلة الشاملة والدقيقة لم تكن مجرد أرقام في تقرير عسكري، بل هي إعلان صريح عن سقوط “الردع الأمريكي” عالمياً وعزلة واشنطن السياسية، خاصة في دول الجنوب العالمي التي رأت في هذه المواجهة نهاية لزمن القطبية الواحدة. لقد تحولت الحرب إلى صراع استنزاف مادي وتقني كشف للعالم أن زمن الغطرسة قد ولى، وأن القوة العسكرية مهما بلغت درجة تطورها لا يمكنها كسر إرادة الشعوب المؤمنة بحقها في السيادة والكرامة. وبناءً على ما تقدم، فإننا نؤكد أن نتائج هذه المواجهة قد رسمت خارطة طريق جديدة للمنطقة والعالم، حيث يسدل الستار على حقبة الهيمنة لتبدأ مرحلة جديدة من التوازن الدولي الذي تفرضه القوى المقاومة على الأرض.
الكاتب من اليمن