*تحولات النفوذ في النظام الدولي بين قناة السويس 1956م ومضيق هرمز 2026م*
د. أحمد العرامي …..
شكل العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م منعطفاً حاسماً في هيكل النظام الدولي، حيث أفضت تلك المواجهة إلى إعادة صياغة موازين القوى العالمية بشكل جذري.
أدى العدوان العسكري لكل من بريطانيا وفرنسا إلى استنزاف رصيدهما وانحسار نفوذهما التقليدي في المنطقة العربية الإسلامية، مفسحاً المجال أمام صعود قطبين جديدين هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. أسست تلك المرحلة لنظام ثنائي القطبية فرض معادلات أمنية وسياسية، وتكرست فيه سيطرة القوى العظمى الصاعدة على مسارات السياسة الدولية، لتشكل أزمة السويس نقطة انتقال فعلية من الهيمنة الأوروبية القديمة إلى حقبة الحرب الباردة وإعادة هندسة التحالفات الإقليمية.
وفي سياق المقاربة مع التفاعلات الجيوسياسية المعاصرة، تبرز التداعيات العميقة لأي عدوان عسكري أمريكي على إيران على بنية النظام الدولي الحالي.
اندلاع حرب شاملة في منطقة الخليج الغنية بموارد الطاقة سيؤدي حتماً إلى موجات ارتدادية تتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية لتضرب عصب الاقتصاد العالمي. تتسم البيئة الدولية الراهنة بسيولة تفاعلية عالية ومساعٍ حثيثة من قوى كبرى مثل الصين وروسيا لإرساء معالم نظام متعدد الأقطاب، وتأتي أي مغامرة عسكرية أمريكية واسعة النطاق لتشكل حافزاً إضافياً لتسريع هذا التحول الجيواستراتيجي. سيؤدي الاستنزاف العسكري والاقتصادي المرافق لمثل هذه الحرب إلى تقييد قدرة واشنطن على إدارة الأزمات في مناطق أخرى حيوية، وتحديداً في منطقة المحيط الهادي وشرق أوروبا.
علاوة على ذلك، ستدفع تداعيات صراع القوى الآسيوية والفاعلين الدوليين الآخرين إلى تعزيز استقلاليتهم عن النظام المالي والاقتصادي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، تسريعاً لجهود تأمين سلاسل الإمداد ومسارات التجارة بعيداً عن مناطق التوتر والسيطرة الأمريكية المباشرة.
يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وتعطيله سيفرض واقعاً جديداً يجبر القوى الكبرى على بناء تحالفاتها الاستراتيجية لضمان أمنها القومي واقتصاداتها. ستستثمر بكين وموسكو هذا الفراغ أو الانشغال الأمريكي لترسيخ شراكتهما الاستراتيجية مع دول الجنوب العالمي، وتقديم بدائل مؤسسية وأمنية تتحدى التفرد الأمريكي بالقرار الدولي.
وبناءً على هذه المعطيات التحليلية، تتجه المؤشرات نحو استنتاج مفاده أن الحرب المحتملة على إيران ستمثل محطة تاريخية فاصلة تعادل في أثرها الهيكلي ما أحدثه العدوان الثلاثي. وكما أنهت أزمة السويس حقبة الاحتلال التقليدي وأسست لثنائية قطبية صارمة، فإن الصدام المباشر في الخليج سيعمل كمسرّع تاريخي لتفكيك الأحادية القطبية الأمريكية. ستتبلور إثر ذلك معالم نظام دولي جديد يتسم بتعددية قطبية معقدة، تتوزع فيها مراكز التأثير والنفوذ بين تحالفات إقليمية وقوى عالمية متنافسة، لتنتهي بذلك حقبة الهيمنة المطلقة وتتشكل قواعد جديدة لحكم التفاعلات الدولية والسيادة الإقليمية في القرن الحادي والعشرين.
الكاتب من اليمن