*عيد بوريم اليهودي وشعار من عارض ترامب عارض الإله*

د. أحمد العرامي  …..

 

ترافقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي جرى تصويرها في بعض الأوساط الغربية باعتبارها مواجهة مصيرية مع “قوى فارس الجديدة”، مع دلالات دينية وتاريخية تجاوزت الحسابات العسكرية التقليدية، خصوصاً مع انطلاقها في ليلة عيد بوريم اليهودي المرتبط بسفر أستير وأحداث اليهود في الإمبراطورية الفارسية القديمة. هذا التزامن لم يُقرأ بوصفه صدفة سياسية عابرة داخل قطاعات واسعة من اليمين الديني الأمريكي والصهيونية المسيحية، وإنما باعتباره استعادة لصراع قديم بين “شعب مختار” و”الخطر الفارسي”، وهي سردية أعادت دمج الجغرافيا السياسية الحديثة في البنية اللاهوتية التوراتية، بحيث تحولت إيران المعاصرة في الخطاب التعبوي إلى امتداد لفارس التي تظهر في نصوص العهد القديم.
عيد بوريم يحمل في الذاكرة اليهودية معنى النجاة من الإبادة، حيث تدور أحداث السفر حول مؤامرة ضد اليهود داخل البلاط الفارسي، ثم انقلاب الوضع لصالحهم عبر تدخل الملكة أستير. وفي القراءات السياسية الحديثة، خصوصاً داخل التيارات الدينية القومية، أصبح هذا العيد يحمل بعداً يتجاوز الاحتفال التاريخي، إذ يُستدعى كرمز متكرر لفكرة “التهديد الوجودي” وضرورة الحسم ضد الأعداء قبل تمكنهم من تنفيذ مخططاتهم. لهذا السبب، فإن الربط بين الحرب على إيران وبين توقيت بوريم لم يكن تفصيلاً هامشياً في الإعلام الديني المحافظ، بل جزءاً من عملية تأطير للحرب باعتبارها امتداداً درامياً لسردية خلاصية طويلة.
هذا النوع من القراءة يعكس تحولات عميقة داخل البروتستانتية الإنجيلية الأمريكية، وخصوصاً في البيئات المحافظة في الغرب والجنوب الأمريكي، حيث انتقل التدين من المجال الفردي الأخلاقي إلى المجال الجماعي التعبوي المرتبط بالهوية السياسية والقومية. خلال القرن العشرين، كان الخطاب الديني الإنجيلي يتمحور بصورة أساسية حول خلاص الفرد، والانضباط الأخلاقي، والعلاقة الشخصية مع المسيح، لكن العقود الأخيرة شهدت تصاعداً لنمط جديد من التدين يرى أن الإيمان يتحقق أيضاً عبر الاصطفاف السياسي والانخراط في “المعركة الحضارية” ضد الخصوم الثقافيين والدينيين والجيوسياسيين.
ضمن هذا التحول، لم تعد الكنيسة المؤسسة الوحيدة التي تمنح الشرعية أو تحتكر القيادة الرمزية للمؤمنين، لأن الشخصية السياسية نفسها بدأت تتحول إلى مركز تعبوي ذي طابع ديني. وهنا يظهر دونالد ترامب بوصفه نموذجاً بالغ الدلالة. فالرجل لم يكتسب مكانته داخل التيار الإنجيلي من خلال التقوى التقليدية أو المعرفة اللاهوتية أو السيرة الكنسية، وإنما عبر تقديم نفسه كقائد يحمي “أمريكا المسيحية” ويواجه النخب الليبرالية والهجرة والتعددية الثقافية وإيران والصين وكل ما يُقدَّم داخل هذا الخطاب باعتباره تهديداً للنظام المحافظ.
لهذا ظهرت عبارات من قبيل “إذا رفضت حرب ترامب فأنت ترفض الإله”، وهي صيغة تكشف طبيعة التحول في الوعي الديني أكثر مما تعكس مجرد حماسة سياسية. فالمقصود هنا أن القرار السياسي يُعاد تأويله باعتباره جزءاً من إرادة إلهية و من خطة تاريخية كبرى، بحيث يصبح الاعتراض على الزعيم السياسي اعتراضاً على المهمة المقدسة التي يؤديها. هذه اللغة لا تنتمي إلى المجال الديمقراطي التقليدي القائم على النقاش والمصلحة والاستراتيجية، وإنما إلى منطق لاهوتي يرى التاريخ ساحة لصراع كوني بين الخير والشر، ويمنح القائد السياسي دوراً شبيهاً بالأداة المختارة لتحقيق النبوءة أو حماية الأمة المؤمنة.
اللافت أن هذا التحول ترافق مع صعود الإعلام الرقمي المحافظ وشبكات البث الديني والمنصات الشعبوية، حيث انتقلت السلطة الرمزية من المنبر الكنسي إلى الفضاء الشبكي. القسيس التقليدي فقد جزءاً من احتكاره للتوجيه، وحل مكانه مزيج من المؤثرين السياسيين والإعلاميين والدعاة الشعبويين الذين يدمجون الدين بالقومية وبنظرية المؤامرة وبالاستقطاب الثقافي. وبهذا المعنى، فإن التدين الإنجيلي الحديث لم يعد مجرد بنية عقائدية، وإنما أصبح شبكة اجتماعية وهوية واسعة تُنتج شعوراً جماعياً بالاصطفاف والمعركة والانتماء.
هذا النمط من التدين الجماعي يفسر أيضاً سبب قدرة ترامب على الاحتفاظ بولاء قطاعات دينية ضخمة رغم التناقض الواضح بين صورته الشخصية أخلاقياً وبين سلوكه السياسي والإعلامي. فالقضية هنا لم تعد مرتبطة بالنموذج الأخلاقي الفردي الذي كان أساس الشرعية الدينية التقليدية، وإنما بقدرة الزعيم على تمثيل الجماعة والدفاع عن مخاوفها وهويتها وإحساسها بالمظلومية الثقافية. ولهذا تحول ترامب داخل اليمين الإنجيلي إلى شخصية ذات وظيفة رمزية تتجاوز السياسة اليومية، حتى إن بعض الخطابات الدينية باتت تصوره باعتباره “أداة إلهية” لحماية أمريكا وإسرائيل وإعادة التوازن الروحي للعالم.
في هذا السياق، تصبح الحرب على إيران جزءاً من سردية أوسع تتداخل فيها النبوءة بالتاريخ، والجغرافيا السياسية بالأسطورة الدينية، والهوية القومية بالاصطفاء الإلهي. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي جرى بها دمج أحداث المنطقة العربية الإسلامية التي أسموها الشرق الأوسط في المخيال الإنجيلي الأمريكي، بحيث تتحول الصراعات الدولية إلى إشارات على اقتراب لحظات كبرى في التاريخ المقدس، وتتحول القرارات العسكرية إلى اختبارات للإيمان والولاء العقائدي، ويتحول الزعيم السياسي إلى مركز تعبئة روحية وجماعية يتجاوز حدود الدولة والمؤسسة الدينية التقليدية.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا