تحت لواء قاهر الجبابرة والطغاة.. تتجلي العدالة الإلهية وميادين المساواة في موسم الحج
نبيل الجمل ….
بسم الله الواحد الصمد، العدل الذي خفض بميزانه القسط كبرياء الجبابرة، ورفع برحمته الواسعة قلوب المستضعفين. في كل عام وفي هذا العام 1447 هجرية، تتجه أرواح المؤمنين وأجسادهم صوب بيت الله الحرام، لأداة فريضة الحج، لتشهد الأرض أعظم تجلٍّ للعدالة الإلهية في موسم الحج المبارك، حيث تذوب الفوارق البشرية الفانية، وتتلاشى أمجاد الدنيا الزائفة أمام جلال ملك الملوك. هناك، في تلك البقاع الطاهرة، تلتقي البشرية على صعيد واحد، ملبيةً نداءً واحداً، لترتسم لوحة إيمانية خاشعة تقصر عن وصفها البلاغة، وتتحقق فيها المساواة المطلقة بأبهى صورها الروحانية.
إن أول ما يطالعك في هذا المحفل المهيب هو مشهد لباس الإحرام؛ قطعتان من قماش أبيض بسيط، يلتف بهما الملوك والرؤساء بجانب الفقراء والمساكين، فيسقط الجاه، وتختفي المناصب، وتزول العلامات الفاخرة التي يتمايز بها الناس في حياتهم اليومية. يرتدي الجميع هذا اللباس الذي يشبه الأكفان، ليذكرهم بلقاء الله والرحيل عن هذه الدنيا، فلا يملك المرء حينها إلا عمله الصالح. يقف الغني الذي ملك الملايين كتفاً بكتف بجوار الفقير الذي جمع قوت يومه لسنوات طويلة ليصِل إلى هنا، يلهجون بذات الدعاء وبنفس النداء، ويرجون ذات الرحمة، ويخافون ذات العذاب، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والنفس المخبتة الخاشعة.
وفي هذا المشهد تتضح الحكمة الربانية البالغة؛ إذ جعل الخالق سبحانه العبودية طريقاً للتكريم، وجعل التقوى الميزان الوحيد للتفاضل. تطوف الحشود حول الكعبة، وتسعى بين صفا ومروة، وتقف على صعيد عرفات الطاهر في وقت واحد، فلا وجود لمسارات ملكية أو امتيازات طبقية في رحاب الله، فالكل عباد الله، والكل واقف بباب رب واحد. وتأخذك الروحانية إلى مداها الأقصى حين تستمع إلى ضجيج الأصوات المتباينة بلغات مختلفة وألسنة شتى، لكنها تتحد في المقصد والشكوى والدعاء، لتثبت أن الرب واحد، يسمع خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويبسط عدله على الجميع بلا حجب ولا ترجمان.
وعندما يتجلى الموقف الأعظم في يوم عرفة، يقف الملايين في العراء حاسري الرؤوس، خاشعي القلوب، باسطي الأكف، في مشهد إيماني مهيب يمثل صورة مصغرة ومبسطة ليوم الحشر الأكبر. الشمس تظلل الجميع، والغبار يغطي الجميع، ولا أحد يعلو على الآخر في تلك اللحظات الروحانية؛ بل يتجرد المرء من كل حطام الدنيا وملذاتها، لاجئاً بالكلية إلى رحمة خالقه. ومن عدل الله ورحمته الواسعة في هذا الموقف أنه يباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيفيض بغفرانه على عباده المقبولين، حتى يخرج الحاج من ذنوبه طاهراً نقياً كيوم ولدته أمه. إنها الرحلة التي تنكسر فيها كبرياء النفوس، وتتحطم أصنام الطبقية، ليعود الإنسان إلى أصل خلقته وفطرته، مدركاً أن العظمة لله وحده، وأن العدل المطلق لا يتحقق في الأرض إلا في ظلال شرعه ودينه الحنيف.
الكاتب من اليمن