*أمريكا وأزمة الهوية في عصر ترامب*

د. أحمد العرامي   ….

 

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات حالة ارتباك عميقة في تعريف ذاتها السياسية والثقافية، وقد ظهرت هذه الأزمة بصورة أكثر وضوحاً مع صعود ترامب الذي استطاع أن يحول التوترات الكامنة داخل المجتمع الأمريكي إلى خطاب سياسي يومي يقوم على استدعاء فكرة “أمريكا الأصلية” المرتبطة بالبروتستانت البيض والطبقات المحافظة في الداخل الأمريكي. هذا التحول لم يكن مجرد ظاهرة انتخابية مرتبطة بشخصية ترامب أو بأسلوبه الشعبوي الحاد، وإنما يعبر عن أزمة بنيوية داخل المجتمع الأمريكي نفسه، حيث تتزايد المخاوف من التحولات الديموغرافية والثقافية التي جعلت الولايات المتحدة أكثر تنوعاً من أي وقت مضى، لكن تيار واسع يرى في هذا التنوع تهديداً مباشراً للهوية التقليدية التي تأسست عليها الدولة الأمريكية .
يعتمد خطاب ترامب على استثمار القلق الاجتماعي والاقتصادي وتحويله إلى صراع هوية واضح، فالمهاجر يتحول في هذا الخطاب إلى سبب لتراجع فرص العمل، والمسلم يصبح رمزاً للتهديد الأمني، واللاتيني يمثل خطراً ديموغرافياً، وحتى الكاثوليك الذين كانوا جزءاً من البنية الغربية المسيحية تعرضوا تاريخياً داخل الثقافة الأنجلوسكسونية الأمريكية لنظرة ريبة مرتبطة بفكرة الولاء المزدوج لروما والفاتيكان. هذه الرؤية تعكس أزمة ثقة داخل المجتمع الأمريكي تجاه فكرة “الأمة الجامعة” التي طالما قدمت الولايات المتحدة باعتبارها نموذجاً لدمج الشعوب والثقافات المختلفة داخل إطار سياسي واحد.
في هذا السياق برز ترامب بوصفه تعبيراً عن تيار قومي أمريكي محافظ يرى أن القوة الأمريكية ارتبطت تاريخياً بسيطرة الرجل الأبيض البروتستانتي على مفاصل الدولة والاقتصاد والثقافة، ولذلك فإن أي تحول ديموغرافي أو ثقافي يُنظر إليه باعتباره مقدمة لفقدان السيطرة على أمريكا نفسها. ولهذا السبب تحولت قضايا الحدود والهجرة والدين والهوية الجنسية والتعليم إلى ساحات صراع داخلي حاد، لأن النقاش لم يعد متعلقاً بالسياسات فقط وإنما بالسؤال الأعمق المتعلق بمن يملك تعريف أمريكا ومن يحدد شكلها المستقبلي.
تكشف الحرب الأمريكية الأخيرة على إيران جانباً مهماً من هذا التراجع البنيوي في موقع الولايات المتحدة الدولي. ففي حرب الخليج عام 1991 استطاعت واشنطن تشكيل تحالف دولي واسع ضم دولاً أوروبية وغربية وعربية وآسيوية، وكان ذلك يعكس صورة الولايات المتحدة باعتبارها مركز النظام الدولي وقائدة العالم الغربي بلا منازع. أما في الحرب على إيران فقد ظهر المشهد مختلفاً بصورة واضحة، حيث بدت واشنطن أكثر عزلة وأقل قدرة على تعبئة الحلفاء خلف مشروعها العسكري والسياسي.
هذا التحول يعكس تراجع الثقة الدولية بالقيادة الأمريكية كما يعكس تغيراً في بنية النظام العالمي نفسه، حيث أصبحت القوى الكبرى أكثر تحفظاً تجاه الانخراط في الحروب الأمريكية المفتوحة بعد التجارب الكارثية في العراق وأفغانستان.
ساهمت الحروب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية في إنهاك صورتها اخلاقيا وسياسيا ، كما أدت الانقسامات الداخلية الحادة إلى تقويض قدرتها على تقديم نفسها كنموذج مستقر ومتماسك. فالدولة التي تعيش انقساماً حاداً حول الهوية والهجرة والدين والعِرق تجد صعوبة متزايدة في قيادة العالم تحت شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. ولهذا فإن الأزمة الأمريكية الحالية تبدو أعمق من مجرد خلافات حزبية بين الجمهوريين والديمقراطيين، لأنها ترتبط بالسؤال المتعلق بمستقبل الفكرة الأمريكية نفسها.
تاريخ الولايات المتحدة قام على التوسع والانفتاح واستيعاب المهاجرين وإعادة تشكيل الهوية بصورة مستمرة، لكن التيار الشعبوي الجديد يحاول إعادة تعريف الأمة على أسس ثقافية وعرقية أكثر ضيقاً، وهو ما يخلق تناقضاً حاداً بين طبيعة المجتمع الأمريكي المتعدد وبين الرغبة السياسية في فرض هوية أحادية محافظة. هذا التناقض ينتج حالة استقطاب متزايدة تدفع قطاعات واسعة من الأمريكيين إلى الشعور بأن بلادهم تتغير بصورة تهدد نمط الحياة الذي اعتادوا عليه، بينما ترى قطاعات أخرى أن الخطاب القومي المحافظ يمثل محاولة لإعادة إنتاج التمييز التاريخي ضد الأقليات والمهاجرين.
في النهاية تبدو أزمة الولايات المتحدة اليوم أزمة قوة وهوية في آن واحد. فالتراجع النسبي في القدرة على حشد الحلفاء خارجياً يتزامن مع تصاعد الانقسام الثقافي والسياسي داخلياً، بينما يتحول ترامب إلى رمز لهذه المرحلة المضطربة أكثر من كونه سبباً منفرداً لها. ولذلك فإن فهم الظاهرة الترامبية يتطلب قراءة أوسع للتحولات التي يعيشها المجتمع الأمريكي والنظام الدولي معاً، حيث تتراجع صورة أمريكا الموحدة الواثقة من نفسها لتحل محلها صورة دولة تخوض صراعاً مفتوحاً حول معنى أن تكون “أمريكياً” في القرن الحادي والعشرين.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا