فادي السمردلي يكتب: لا قيمة لأي تغيير لا يفتح ملفات الخلل ويحاسب المتجاوزين

بقلم فادي زواد السمردلي …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في كل مرحلة تُعلن فيها تغييرات جديدة، تتجه الأنظار سريعًا نحو الأسماء والمواقع والقرارات المعلنة، ويبدأ الناس بقراءة المشهد من زاوية من جاء ومن غادر، ومن تقدم ومن تراجع ولكن الحقيقة التي باتت واضحة لدى الجميع أن أي تغيير، مهما بدا كبيرًا في شكله، لا يمكن أن يُقاس بقيمته الحقيقية من خلال تبديل الأشخاص أو إعادة توزيع المواقع فقط، بل بما يتركه من أثر ملموس على أرض الواقع، وبقدرته على معالجة الخلل القائم، ومواجهة التجاوزات التي تراكمت، وفتح الملفات التي ظلت مغلقة لسنوات.

الناس لم تعد تبحث عن مشهد جديد بوجوه جديدة فقط، لأن التجربة علمتهم أن تغيير الواجهة لا يعني بالضرورة تغيير النهج فما ينتظره الشارع اليوم أكبر من مجرد قرارات إدارية أو إعادة ترتيب للمواقع فالناس تريد إصلاحًا يشعرون به، ويرونه في الأداء، وفي العدالة، وفي وضوح القرار، وفي استعادة هيبة المؤسسات عندما يتعلق الأمر بالمحاسبة وهذا لا يتحقق إلا عندما تكون هناك إرادة حقيقية للذهاب إلى أصل المشكلة، لا الاكتفاء بتغيير شكلها الخارجي.

فتح ملفات الخلل لم يعد ترفًا إداريًا أو خيارًا مؤجلًا يمكن تجاوزه فقد أصبح ضرورة لا تقبل التأخير، لأن بقاء الأخطاء دون مراجعة يعني السماح لها بالاستمرار، وتكرارها، وربما التوسع فيها وكل ملف بقي مغلقًا رغم وضوح ما فيه يترك أثرًا سلبيًا مضاعفًا، ليس فقط داخل المؤسسة نفسها، بل في نظرة الناس إلى فكرة الإصلاح كلها فالناس تقرأ الصمت أحيانًا باعتباره تجاهلًا، وتقرأ التأخير على أنه تردد، وتقرأ غياب المساءلة باعتباره رسالة خاطئة بأن بعض المواقع أعلى من المحاسبة.

المحاسبة الحقيقية لا تختبر عند الملفات الصغيرة ولا عند الموظف الأقل نفوذًا، بل تختبر عندما تصل إلى المواقع الحساسة، وإلى أصحاب القرار، وإلى كل من امتلك سلطة واستخدمها خارج إطار المسؤولية أو سمح بوقوع التجاوز أو تغاضى عنه وهنا فقط يصبح الحديث عن الإصلاح مقنعًا، وهنا فقط يكتسب التغيير احترام الناس وثقتهم. لأن العدالة التي تتوقف عند حدود معينة ليست عدالة مكتملة، والمحاسبة التي تختار من تقترب منه ومن تتجاوزه تفقد معناها وتفقد أثرها.

المشهد اليوم يحتاج إلى وضوح أكثر من حاجته إلى العناوين الكبيرة ويحتاج إلى إجراءات أكثر من حاجته إلى التصريحات فمرحلة الاستعراض لم تعد تُقنع أحدًا، واللغة العامة لم تعد تكفي لتفسير ما يحدث أو لتبرير التأخير والمطلوب هو خطوات واضحة يمكن قياسها، وقرارات تحمل مسؤولية مباشرة، ورسائل مؤسساتية تؤكد أن معيار الكفاءة والنزاهة والمساءلة يُطبق على الجميع دون استثناء.

الثقة العامة تُبنى بالفعل لا بالكلام. وتُبنى حين يرى الناس أن الخلل يُعالج من جذوره، وأن التجاوز لا يُرحّل، وأن المسؤولية لا تسقط بالتقادم أو بتبديل الموقع أو بتغير العنوان الوظيفي فحينها فقط يشعر الناس أن هناك تحولًا حقيقيًا، وأن ما يجري ليس مجرد إعادة ترتيب للمشهد، بل بداية لمسار مختلف يقوم على التصحيح والمراجعة والإنصاف.

أما إذا بقي التغيير محصورًا في تبديل المسميات، أو إعادة توزيع المناصب، دون مراجعة للأداء، ودون فتح جاد للملفات العالقة، ودون مساءلة واضحة لمن أخطأ أو تجاوز مهما كان موقعه، فإن النتيجة ستكون نسخة جديدة من المشهد القديم، مع اختلاف محدود في التفاصيل، بينما تبقى الأسباب نفسها قائمة، وتبقى الأسئلة نفسها بلا إجابات.

لهذا فإن القيمة الحقيقية لأي تغيير لا تُقاس بلحظة الإعلان عنه، بل بما يليه فتُقاس بما إذا كان قد اقترب من جوهر المشكلة أم دار حولها وتُقاس بما إذا كان قد واجه الخلل أم تجاهله وتُقاس قبل كل شيء بمدى قدرته على تكريس مبدأ واضح لا يقبل التأويل بأن لا أحد فوق المساءلة، وأن لا حماية لأي تجاوز، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تُفتح الملفات بلا تردد، وتُقال الحقائق بوضوح، وتُمارس المحاسبة بعدالة تصل إلى الجميع مهما علت مواقعهم.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا