عبدالحي المجالي.. حين يصبح الرجال أوطاناً من القيم
بقلم العقيد .م ليث المجالي …..
تتفاوت الأسماء في حضورها، كما تتفاوت الشخصيات في أثرها، لكن هناك رجالاً تتجاوز مكانتهم حدود المناصب والألقاب، لأنهم يتركون بصمة في الناس قبل أن يتركوا أثراً في السجلات. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عبدالحي المجالي، بوصفه واحداً من رجالات الأردن الذين جمعوا بين أصالة الانتماء ورفعة المكانة وحسن السيرة.
فحين تقف أمام هذه الشخصية، تجد نفسك أمام مسيرة لا تختصرها الكلمات، ولا تحيط بها العبارات بسهولة. مسيرة امتزج فيها التاريخ بالعطاء، والوجاهة بالمسؤولية، والمكانة الاجتماعية بالالتزام الوطني. فهو رجل حمل إرثاً عريقاً، لكنه لم يكتفِ بالاستناد إلى الماضي، بل عمل على أن يضيف إليه من حضوره وجهده ومواقفه ما يجعله جزءاً أصيلاً من هذا الإرث الممتد.
لقد عرفه الناس قنصلاً فخرياً أدى رسالته بكفاءة واقتدار، وعرفوه رجل أعمال ناجحاً، وصاحب علاقات واسعة، وشخصية اجتماعية وعشائرية حاضرة في مختلف المحافل. إلا أن القيمة الحقيقية لعبدالحي المجالي لم تكن يوماً في موقع شغله أو منصب حمله، بل في ذلك الرصيد الكبير من الاحترام الذي بناه عبر عقود من التعامل الراقي والمواقف المشرفة والوفاء للناس.
وفي مجتمعنا الأردني، حيث تُقاس الرجال بمواقفها قبل ألقابها، استطاع أن يرسخ صورة الرجل المتزن، صاحب الكلمة المسؤولة، والحضور الذي يبعث الطمأنينة والثقة. فلم يكن ممن يبحثون عن الأضواء، بل كان من أولئك الذين يصنعون أثرهم بهدوء، ويتركون بصمتهم في القلوب قبل أن تكتبها الأقلام.
عبدالحي المجالي في دوره السياسي والواطني ارتبط اسمه بمسيرة الدولة الأردنية الحديثة، في دوره وحضوره ومن خلال شخصيات وطنية كبيرة كان لها دور مفصلي في خدمة الوطن، وفي مقدمتهم دولة عبدالسلام المجالي ومعالي عبدالهادي المجالي. وقد شكل هذا البيت مدرسة في الانتماء والعمل العام، كان عبدالحي المجالي أحد حاملاً قيمها ومبادئها ومواصلاً نهجها في خدمة الوطن والمجتمع.
أما على الصعيد العشائري، فقد بقي قريباً من أبناء عشيرته، مؤمناً بأن الوجاهة مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وأن قيمة الرجل تكمن في قربه من الناس ووقوفه إلى جانبهم في أفراحهم وأتراحهم. لذلك ظل اسمه حاضراً في الذاكرة بوصفه رجل إصلاح ومحبة وتواصل، يجمع ولا يفرق، ويقرب ولا يباعد.
وإذا كان لبعض الرجال منازل يصنعها المنصب، فإن عبدالحي المجالي من أولئك الذين صنعتهم أخلاقهم ومواقفهم وشموخ الرجال وعزتها . فهو من جيل الرجال الذين كانت الكلمة عندهم عهداً، والموقف مبدأً، والانتماء للوطن شرفاً لا مساومة عليه.
إن الكتابة عن العم الكبير الحبيب عبدالحي المجالي ليست مجرد حديث عن شخص، بل هي حديث عن نموذج أردني أصيل، وعن سيرة رجل جسدت معاني الشهامة والكرم والوفاء والنبل. رجل ظل ثابتاً على قيمه، مؤمناً بوطنه، مخلصاً لأهله، محافظاً على إرث عائلته، ومضيفاً إليه من عطائه ما يجعله جديراً بكل تقدير واحترام.
ويبقى الرجال الكبار حاضرين حتى عندما يغيبون عن المشهد، لأن ما يزرعونه في نفوس الناس من محبة واحترام يبقى أطول عمراً من المناصب وأبقى أثراً من كل الألقاب. وعبدالحي المجالي واحد من أولئك الرجال الذين تستحق سيرتهم أن تُروى، وأن تُكتب، وأن تُستذكر باعتزاز.
الكاتب من الأردن