فادي السمردلي يكتب: الأردن دولة وصل لا فصل
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
إن الترويج لفكرة أن الأردن “دولة فصل” ليس مجرد خطأ في التحليل، بل هو طرح مضلل في جوهره، يحمل في داخله مقاصد سياسية أو قراءات انتقائية للتاريخ، تتعمد اختزال دور دولة بكاملها في وظيفة لم تكن يوماً حقيقتها ولا مسارها فهذه ليست زلة وصف، بل انحراف في الفهم، ومحاولة لفرض سردية لا تصمد أمام الوقائع ولا أمام التاريخ ولا أمام الواقع الحي الذي يعيشه الإقليم منذ قرن.
الأردن لم يكن في أي مرحلة من تاريخه الحديث حاجزاً بين العرب، ولم يُبنَ ليكون جداراً فاصلاً كما يحاول البعض أن يلمّح أو يصرّح أو يروّج ومن يقرأ الجغرافيا بعين سياسية ضيقة قد يرى خطوطاً على الخريطة، لكن من يفهم المنطقة يدرك أن تلك الخطوط لم توقف يوماً حركة الناس، ولا التجارة، ولا المصاهرات، ولا الامتداد الاجتماعي الذي ظل يتجاوز الحدود المصطنعة قبل أن تُرسم وبعد أن استقرت.
الأردن كان وما زال دولة حركة لا دولة سكون، دولة مرور لا دولة عزل، دولة تتنفس من محيطها العربي وتعيد بثّ الحياة فيه فكل من يحاول اختزاله في “دور الفصل” يتجاهل عمداً أو جهلاً أن وظيفته الإقليمية الفعلية كانت دائماً الحفاظ على التوازن في منطقة مضطربة، وفتح المسارات لا إغلاقها، وتخفيف الاحتكاك لا صناعة الحواجز.
إن أخطر ما في هذه السردية أنها تُقدَّم وكأنها توصيف تاريخي بريء، بينما هي في حقيقتها قراءة مجتزأة تُستخدم أحياناً في سياقات لا تخدم الحقيقة بقدر ما تخدم الجدل أو التشويش أو إعادة إنتاج صورة مشوهة عن دولة لعبت دوراً محورياً في الاستقرار الإقليمي فالأردن لم يكن يوماً “فكرة عازلة”، بل كان دائماً مساحة توازن دقيقة بين محيطه العربي وامتداده التاريخي.
ومن السذاجة السياسية أن يُنظر إلى حدود الأردن وكأنها أسوار تفصل الشعوب، بينما الواقع يقول إن هذه الحدود لم تكن يوماً حدود قطيعة، بل كانت نقاط تلاقٍ عبر الزمن، تتجاوزها العلاقات الإنسانية والاقتصادية والثقافية بشكل مستمر فالدولة التي توصف بأنها “فصل” هي في الحقيقة الدولة التي كانت في قلب التفاعلات، لا على هامشها.
لقد حاولت بعض القراءات المعاصرة تبسيط نشأة الأردن ضمن قوالب جاهزة ،هذا للفصل، وذاك للعزل، وآخر للتقسيم ولكن هذه المقاربات، مهما حاول مطلقوها ان يظهروها جذابة في الخطاب، لكنها تبقى قاصرة عن فهم تعقيدات المرحلة التي نشأت فيها الدولة، وعن فهم طبيعة الدور الذي تطور لاحقاً ليصبح دوراً هامل في الاستقرار والربط والتوازن.
الأردن، في حقيقته، دولة وصلت ما انقطع، وحافظت على ما كاد أن يتفكك، ووفرت مساحة تفاعل في منطقة كانت قابلة دائماً للانفجار وهذه ليست وظيفة ثانوية، بل هي من أصعب الأدوار في السياسة الدولية والإقليمية، لأنها لا تقوم على الشعارات بل على إدارة الواقع بكل تعقيداته.
إن إعادة إنتاج وصف “دولة الفصل” ليس سوى تجاهل متعمد لهذه الحقيقة، أو محاولة لتقزيم دور دولة بقيت، رغم كل التحولات، جزءاً أساسياً من نسيجها العربي، لا حاجزاً أمامه فالأردن لم يكن خطاً على خريطة، بل كان وما زال نقطة التقاء في جغرافيا لا تحتمل القطيعة.
وفي النهاية، تبقى الخرائط قابلة للتفسير، لكن الحقائق لا تُختصر. والأردن، بكل ما فيه من تاريخ ودور وموقع، سيبقى دولة الوصل التي تحدّت خرائط الفصل، لا لأنها ترفع هذا الشعار، بل لأنها جسّدته فعلاً على الأرض، في السياسة والإنسان والدور.
الكاتب من الأردن