بين صخب البنادق وضجيج المقاهي قراءة في سيرة “أنيس” واغترابه الوجودي في “بيت بيروت”
ميس عماد جاسم الحسين ….
حين تتأمل رواية “بيت بيروت لسامر ابو شندي تكتشف سريعاً أنها لا تبدو رواية حرب بالمعنى التقليدي المعتاد، وليست.
حكاية رومانسية عابرة، وبالتأكيد ليست سيرة ذاتية خالصة بصراحة هي أقرب ما تكون إلى قصة تبحث في الهوية والتحولات السياسية؛ حيث الحرب هنا ليست هي الحدث الرئيسي المهيمن، بل مجرد مسرح ممتد يتحرك فوقه البطل. أنيس أو عبد الغني ينتقل أمامنا من ضابط مصري مكسور إلى رجل يبحث بكل قوته عن معنى جديد لنفسه عبر السياسة، والحب والترحال، ويمكن أن تكون هذه تحديداً نقطة قوة العمل؛ فالروايات التي تجعل الحروب مجرد خلفية للحياة وتفاصيلها الصغيرة، غالباً تعيش وتدوم أطول بكثير من تلك التي تكتفي بوصف المعارك وهدير المدافع وحدها.
مرافئ الاغتراب ورحلة البحث عن بداية
تتحرك الأحداث عبر جغرافية مشحونة بالتحولات: من سقوط البطل في مصر، هروبه إلى ليبيا، إعادة استقطابه، مروره بمحطة الأردن (عمان)، وصولاً إلى بوابة بيروت الصاخبة وضباب باريس وبرلين ودمشق. المشكلة هنا ليست في هذا التسلسل الجغرافي المنطقي، بل في إيفاع الحكاية نفسه الرواية تتحرك بسرعة لافتة في أماكن كثيرة، لكنها تصبح بطيئة ومترددة في الحدث المركزي. هناك صفحات كثيرة تمر على القارئ قبل أن يشعر بالشرارة الحقيقية ويقول لنفسه: ” هنا بدأت القصة فعلا”.
هذا التباطؤ يجعلنا نشعر أن البداية الفعلية تأخرت قليلاً. ولو كان المرء يملك عين المحرر الأدبي، لربما اقترح افتتاحية صادمة تكسر هذا الهدوء التمهيدي البدء مثلاً بمشهد مشتعل وصادم من داخل بيروت وهي تحت القصف، ثم الارتداد للخلف بجملة عفوية مثل: قبل ساعات من سقوط بيروت، تذكر أول مرة رأى فيها الشميساني . هذا النوع من البناء يخلق جاذبية سريعة لذهن القارئ من السطر الأول دون أن يكشف ما ستؤول إليه الأمور لاحقا.
ومع ذلك، تظل المحطات تحمل تداخلها الصادم كحقيبته السامسونايت التي تتكرر كثيراً في النص. هي ظاهرياً مجرد أداة للسفر، لكن الغريب أنها تبدو كأنها وطن متنقل لرجل فقد وطنه الأصلي حقيبة محشوة بالتناقضات، يقبع فيها كتاب 1984 لجورج أورويل بجانب بطاقات مراجعي عيادة طبيب أسنان التقطها من ركام مبنى “الإسكوا” المدمر غير واضح تماماً إذا كان يحمل ذكرياته وأوراقه كإدانة للحرب أم كعب ثقيل يحاصره. وعندما ينتقل لباريس، تصبح المقاهي بديله عن الخنادق حيث يتحول من مقاتل إلى جليس مقاه يستعيد كيف تحول ميشيل عفلق هناك من الشيوعية للبعثية، أو يلمح نور الشريف وتوفيق الحكيم أثناء تصوير فيلم عصفور الشرق، ليتخذ من تلك الرواية دليلاً لفهم صراع الشرق الروحي مع مادية الغرب.
بيت بيروت جدران تتنفس أم مجرد خلفية؟
هنا نصل إلى الفكرة الأقوى في العمل المبنى الأصفر ” أو “بيت بيروت”. الأماكن في الروايات الكبيرة ليست مجرد جدران خرسانية، بل تتحول في أحيان كثيرة إلى كائن حي يعكس مصائر الناس التحول الجاري في المبنى يحمل رمزية واضحة عيادة طبيب أسنان مكان صمم أساساً للعلاج والشفاء تتحول بفعل الحرب الأهلية إلى مركز عسكري ومقر للتنظيم والسلاح.
هذه الفكرة تلخص بيروت نفسها المدينة التي بنيت لتكون منارة للثقافة والانفتاح، فإذا بها تتحول الساحة صراع للجميع. واللافت هذا هو موقع المبنى جغرافيا بين الشرق والغرب، وهو ما يمثل تماماً حال لبنان الممزق بين الشرق والغرب
العروبة وأوروبا، الطوائف، واليسار واليمين.
لكن بالرغم من ذكاء الفكرة، إلا أن المبنى ظل يعمل في مساحات كثيرة كخلفية تقع فيها الأحداث فحسب ذهبنا إلى المبنى عدنا منه، اجتمعنا فيه حسيت أنه كان يمكن استثماره ليكون شخصية صامتة تتنفس وتشيخ مع البطل نرى جدرانه تتشقق مع أصحابها.
كل قصف، نوافذه تتحطم تدريجياً، غباره يختلط بالدخان، وأوراق المرضى القديمة المتروكة في الأدراج كشواهد على حياة
بل إن عنوان “بيت بيروت” قد لا يقصد مبنى بعينه أصلاً؛ المعنى الأعمق هنا يطرح سؤالاً كبيراً: إذا كانت بيروت بينا، فمن يسكنها حقا ومن يملكها البطل مصري، إيفون لبنانية، والسوريون والليبيون والفلسطينيون والإسرائيليون كلهم يتحركون في الداخل… فجأة نكتشف أن البيت مزدحم جداً بالضيوف لدرجة كاد معها أصحاب البيت الأصليون أن يختفوا تماماً.
نظرة على الشخصيات التناقض الإنساني والرموز
ما يمنح الرواية روحا حية هو بناء شخصياتها و تفاوت حضورها
عبد الغني (أنيس) هو أنجح شخصية في العمل وأكثرها إقناعاً ببساطة لأنه محشو بالتناقضات الإنسانية الطبيعية. هو مثقف يساري لكنه يميل في حياته للمظاهر المترفة، عسكري سابق مطرود من الخدمة لكنه يتصرف بعقلية الجندي، يدعو للمبادئ الكبرى والشعارات لكنه يبدو ضعيفاً ومستسلماً أمام رغباته الشخصية، ويبحث طوال الوقت عن انتماء حقيقي لكنه دائم الهرب. هذه الشروخ الداخلية هي ما يجعله بشريا لا مجرد حبر على ورق.
ايفون تبدأ كشخصية جذابة للغاية، ليس لجمالها بل لأنها تملك رؤية فكرية ناضجة ومختلفة تصطدم مع أفكار البطل. لكن مع تدفق الأحداث، يتراجع هذا الحضور المستقل لتتحول تقريبا إلى مجرد محطة عاطفية لتأثيث رحلة البطل. ربما كان يمكن تعميق صراعها الداخلي لتظل ندأ فكرياً له حتى النهاية.
هند تدخل الرواية بهدوء وتدرج، وتبدو أكثر نضجاً وتماسكاً من إيفون، مستندة إلى خلفية عائلية وثقافية وسياسية واضحة. وفي لفتة ذكية، تتبدى هند وكانها بيروت نفسها جميلة، متناقضة متعددة الهويات، ومهددة دائماً بالانهيار تحت وطأة الضغوط.
حكاية الغجرية وسقوط الأخلاق الثورية
ثمة مشهد قاصم في الرواية لا يمكن اعتباره عابراً، وهو المشهد الذي يتجاوز فيه الكاتب حدود الحكاية المباشرة ليحاكم مرحلة تاريخية كاملة غجرية جميلة بمهر مرتفع، يتزوجها ماسح أحذية فقير جمع الليرة فوق الليرة” بجهده الشريف، ثم يأتي رجل سوري يقتل ماسح الأحذية وينتهكها بدافع الغيرة وحب الامتلاك.
في الظاهر الجريمة وحشية وبدافع الغيرة لكن في العمق ؟ يبرز هنا اشتغال رمزي مذهل ومكثف فماسح الأحذية هو الإنسان العادي البسيط الذي يحاول بناء حياة صغيرة وسط الفوضى، وتأتي الحرب بمنطق القوة الغاشمة لتدمر تعبه وحلمه بلا أي وجه حق أما الغجرية هنا فهي الرمز الأعمق؛ إنها تمثل بيروت ذاتها في تمنعها وحريتها ودلالها مدينة جميلة، عصية ومرغوبة من كل الأطراف المحيطة بها. لكن الفكرة تكمن في أن أولئك الذين عجزوا عن امتلاك روحها الحرة وصناعة شرعية حقيقية للوجود فيها، قرروا تدمير من أحبها يصدق وعاش فيها ببساطة ماسح الأحذية، ليتسنى لهم انتهاكها بقوة السلاح وفرض سلطتهم عليها.
والجانب الأكثر قسوة هو سقوط الأخلاق الثورية؛ فالرجل السوري يروي تفاصيل القتل والانتهاك بلا أي ندم، بل بنبرة فخر كأنها من ذكريات البطولات. هنا يضعنا الكاتب أمام سؤال خفي ومرعب كيف يمكن الشعارات التحرر واليسار والثورة أن تتحول إلى وحشية مطلقة عندما تفقد حدودها الإنسانية؟ وما قيمة الأيديولوجيا الكبيرة إذا كانت تنتج مسوخاً كهؤلاء الصدمة التي تعتري عبد الغني وسؤاله المستنكر : كيف لك أن تقتل هذا الرجل الذي لا ذنب له ….. ، لم تكن مجرد اعتراض على جريمة عادية، بل كانت أول شرح حقيقي وحاسم يضرب صورة الرفيق الثوري المثالي” داخل عقله، لتبدأ تساؤلاته الجدية حول جدوى ما يحدث.
كواليس العمل السري ومقاهي الشتات
يستمر البطل في تحركاته المكوكية واللوجستية التي تكشف عورات التناقض الفكري؛ ففي برلين يشتري خمس طائرات شراعية رياضية بأوراق نقدية المانية ملغاة منذ عام 1948 كتحد رمزي لأمريكا وهي الطائرات التي ستنفذ “عملية قبية” الشهيرة عام 1987 وتفجر انتفاضة الحجارة بشعار واحد لستة.
لكن في المقابل، يأخذ رزمة دولارات تحت مطر باريس ليشتري ساعات فاخرة رولكس وبولغاري من مزادات سويسرا ويوصلها لدمشق طبعا هذا السلوك البرجوازي المترف يبدو غريباً ومفارقا لفكر يساري يدعى تمثيل طبقة العمال الكادحة. المهم العمل اللوجستي هذا يتسع لقطع بث إذاعة صوت القدس في دمشق، والمحور ليبي للالتفاف على العقوبات الدولية … تفاصيل كثيرة تدوخ وتكشف كيف تدار الأمور في الغرف المظلمة.
لغز “القائد”: سلطة بلا اسم
أثناء الرحلة، تتشكل ملامح شخصية “القائد” عبر إشارات متفرقة دون تسميته مباشرة العمل مرتبط بالحزب التقدمي الاشتراكي، التنسيق مع الجيش السوري والقوى الوطنية، والدعم المالي من القذافي في الفترة بين 1981 و 1982
تاريخيا، كمال جنبلاط اغتيل عام 1977 ، ما يجعل المؤشرات تتجه بنسبة كبيرة (ربما) حوالي (70%) نحو وليد جنبلاط أو كونه قائداً ميدانيا جرى دمجه روائياً. لكن التجهيل المتعمد للاسم هنا كان ضربة ذكية من الكاتب فالإلقاء بلا اسم يتحول إلى فكرة مجردة ترمز للسلطة المركزية الفوقية، القائد الذي يراقب كل شيء، ويعرف أدق تفاصيل علاقات عبد الغني، ويبتلع الأفراد تماماً داخل التنظيم السري.
يقظة الروح وأزمة الحوارات الطويلة
في باريس، تظهر الفتاة المصرية “وداد” بدراستها للفلسفة الإسلامية لتهز قناعات البطل المادية ترتيلها الخاشع لـ “آية الدين” وسردها للقواعد المدنية والأنصبة الأرثية في سورة النساء يدخل خشوعاً غير متوقع على نفسية أنيس، فيبدأ بقراءة المصحف وسط دهشة زوجته هند وتتعمق هذه الردة الروحية حين يكتشف أن “القائد” الماركسي نفسه ذهب لأداء مناسك العمرة، ليتأكد له أن الأيديولوجيا الجافة تعجز في النهاية عن ري العطش الروحي الكامن في أعماق الإنسان.
لكن هنا تبرز مشكلة في طريقة إدارة الحوارات؛ ففي مواضع كثيرة، وتحديداً في مقهى الشرق الأوسط” بدمشق أثناء حديثه مع الكاتب السوري الشاب خريج تولوز (1986) عن المليشيات الثقافية وخريجي رومانيا الذين احتكروا الثقافة عبر “الواقعية الاشتراكية”، أو عند النقاش في مفاهيم الشتات حول كتاب الماغوط ساخون “وطني” وهجوم المخرج جهاد عليه بكونه مستنسخاً من عزيز نيسين.. في كل هذه المواضع، يتحول الحوار أحياناً إلى نقاش سياسي مباشر الشخصيات هنا لا تتحدث كبشر عاديين في مقهى، بل تبدو وكأنها مقالات سياسية تمشي على قدمين الرواية القوية هي التي تجعلنا نفهم الفكر من خلال الفعل والسلوك لا عبر الخطب الطويلة أنيس يلوذ بالصمت أمام هجوم الكاتب على تجربة الوحدة ودولة الأمن السراج و عامر)، ربما تعبا أو تفضيلا لعدم الدخول في جدل عقيم وسط هذا التردي السياسي الذي طال حتى السلك الدبلوماسي في براغ وكتاب صلاح خلف “فلسطيني بلا هوية”.
زلازل 1989 والعرى الأخيرة
تتسارع الزلازل السياسية لتعلن النهاية الحتمية لهذه الحقبة اغتيال رينيه معوض في نوفمبر يثير رعب أنيس الإنساني على هند في بيروت، ليتفوق الرابط العاطفي على الشعارات. وفي ديسمبر، يشهد عبر التلفاز الإعدام المرعب والمفاجئ للرئيس الروماني شاوشيسكو وزوجته ليرى رفيقه المسرحي يندب “المؤامرة الإمبريالية”، بينما يتسلل الوجل لنفس أنيس وهو يقف على عتبة عام 1990 وتفكك اليقين الماركسي كاملاً.
وعلى رصيف باريسي بارد، وبينما يرقب وداد في محل الأنتيكات على صوت على الحجار رمى رمشه تناديه باسمه الحقيقي لأول مرة لتفتح مساراً جديداً لروحه المتعبة: “كنت فين انشغل بالي عليك يا أنيس . هنا، بعد خطوة الأربعين، نلمس بداية تحول روحي يبعده عن اشتعال الجسد وضوضاء السياسة القديمة، نحو سكينة دافئة يحاول من خلالها إنقاذ نفسه من تيهه الفرنسي اللذيذ.
كلمة أخيرة
في الختام، تتميز لغة الرواية بعفوية واضحة وبساطة غير متصنعة، فالكاتب لا يستعرض ثقافته بالقوة على القارئ رواية بيت بيروت” عمل عالي جداً بخلفيته التاريخية والسياسية، ويمتلك روحاً حقيقية واضحة تجعله متميزاً عن الكثير من الأعمال المتقنة تقنياً لكنها باردة وبلا روح.
بطاقة الكتاب:
رواية “بيت بيروت” للكاتب سامر أبو شندي، صادرة عن دار الأمير للنشر في مرسيليا فرنسا، وتقع في مئة وثلاث وعشرين صفحة.