غربلة القمح الاجتماعي: رحلة الخروج من النسق

د. منى النحلاوي  …..

 

يرتبط مفهوم الخروج عن القطيع بالتحرر من ضغط الجماعة والأنماط السلوكية السائدة، وهو سعي الفرد إلى التفكير المستقل بعيدًا عن الانصياع التلقائي لما يفرضه المجتمع من أفكار ومعتقدات. وقد تناول المفكر الراحل فهمي جدعان هذه الفكرة في كتابه “خارج السرب”، حيث أشار إلى أن خروج الأفراد والجماعات من النسق التقليدي يمثل محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الحرية الشخصية وسلطة العقل الجمعي.
ويُعرف العقل الجمعي بأنه حالة تتبنى فيها المجموعة أفكارًا وقرارات موحدة، مما يؤدي أحيانًا إلى تراجع التفكير النقدي والخضوع لسلوك القطيع، حيث يصبح الانتماء أهم من التساؤل، والتوافق أهم من الحقيقة.
غير أن الخروج عن هذا النسق ليس فعلًا عشوائيًا أو تمردًا لمجرد التمرد، بل هو عملية واعية تبدأ من الداخل، حين يبدأ الإنسان بمراجعة الأفكار التي تشكلت في عقله عبر سنوات طويلة. إنها رحلة من التساؤلات المستمرة وعدم قبول أي فكرة أو عادة موروثة باعتبارها حقيقة مطلقة.
فالكثير من المعتقدات والعادات التي نتوارثها من الأسرة أو المدرسة أو الإعلام تستقر في العقل الباطن دون أن تخضع للفحص أو النقد. وعندما يبدأ الفرد في تحليل هذه الموروثات وتفكيكها، فإنه يميز بين ما اختاره بنفسه وما فُرض عليه بفعل البيئة المحيطة. إنها عملية تشبه غربلة القمح لفصل الحبوب عن القشور، والبحث عن الجوهر وسط تراكمات البرمجة الاجتماعية.
غير أن هذه الرحلة ليست سهلة، فهي تتطلب شجاعة نفسية وقدرة على تحمل العزلة المؤقتة، لأن المجتمع بطبيعته يميل إلى الاستقرار والتشابه، وينظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا للنظام القائم. ولهذا غالبًا ما يواجه الخارج عن القطيع مشاعر الرفض أو سوء الفهم أو الاتهام.
وتتفاوت تكلفة هذا الخروج بين المرأة والرجل في كثير من المجتمعات. فالمرأة غالبًا ما تتحمل ثمنًا اجتماعيًا أكبر عندما تختار مسارًا مغايرًا للتوقعات التقليدية، سواء في حياتها المهنية أو الشخصية أو الزوجية، وقد تتعرض للوصم أو التشكيك أو الأحكام الأخلاقية القاسية.
أما الرجل، فرغم تعرضه أحيانًا للنقد إذا خرج عن الأدوار التقليدية المتوقعة منه، كالتخلي عن دور المعيل الوحيد أو التعبير عن مشاعره أو اختيار مسار مختلف لحياته، فإن المجتمع يكون أكثر تقبلًا لتمرده مقارنة بالمرأة في كثير من البيئات الثقافية.
ولا تنفصل هذه الظاهرة عن المنظومات الفكرية والدينية والأيديولوجية، التي تمثل أبرز ركائز العقل الجمعي؛ ففي الوقت الذي تمنح فيه هذه المنظومات الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء، قد تتحول أحياناً إلى قيود تحجب التفكير الحر. ولهذا السبب، فإن مجرد التساؤل أو الاختلاف قد يُجابه بالرفض أو التخوين، أو حتى الإقصاء في بعض البيئات المغلقة.
وعبر التاريخ، كان التغيير الاجتماعي يبدأ غالبًا من أفراد امتلكوا الجرأة على مخالفة السائد. فعندما رفضت روزا باركس التخلي عن مقعدها في الحافلة بسبب لون بشرتها، ساهم موقفها في إشعال حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. وعندما دعا قاسم أمين إلى تعليم المرأة وخروجها من عزلتها الاجتماعية، تعرض لحملات واسعة من التشويه والانتقاد، لكنه أسهم في إحداث تحول فكري واجتماعي امتدت آثاره إلى أجيال لاحقة.

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا