فادي السمردلي يكتب: بعض من يدّعي حمل فكرة الدولة المدنية… انشغل بالمناكفة بدل المشروع

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

هناك مشكلة تتسع بصمت داخل جزء من الخطاب الذي يقدّمه البعض بوصفه “مدنيًا” و“داعمًا للدولة المدنية”. المشكلة ليست في الفكرة نفسها، ففكرة الدولة المدنية، في جوهرها، فكرة ضرورية لأي مجتمع يريد أن يخرج من دوائر الاستقطاب الضيق إلى فضاء الدولة الحديثة دولة المواطنة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، واحترام التعددية، والفصل بين السلطات، وحماية الحريات العامة فهذه كلها ليست ترفًا فكريًا، بل هي شروط بقاء أي دولة مستقرة وعادلة.

لكن ما يجري عند بعض من يرفعون هذا الشعار هو شيء مختلف تمامًا عن هذه المبادئ بل يمكن القول، دون مبالغة، إن الفجوة بين ما يُقال وما يُمارس أصبحت واسعة إلى درجة لافتة فبدل أن يتحول مشروع “الدولة المدنية” إلى مشروع بناء حقيقي، تراكمي، هادئ، طويل النفس، يتعامل مع المجتمع ومؤسساته واحتياجاته، تحوّل عند بعضهم إلى حالة من الاشتباك الدائم مع خصم سياسي محدد، وكأن هذا الخصم هو الغاية، لا مجرد جزء من مشهد سياسي واسع.

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لبعضهم لم يعد يُنتج فكرة بقدر ما يُنتج رد فعل لم يعد يقدم تصورًا للدولة، بل يقدم سلسلة من التعليقات والانفعالات السياسية المتكررة لم يعد ينشغل بسؤال كيف نبني دولة مدنية؟ بل بسؤال آخر أكثر ضيقًا كنوع من فرد العضلات الوهمية كيف نُحرج الطرف الآخر؟ كيف نرد عليه؟ كيف نثبت أننا “موجودون” في الساحة؟

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية لأن أي مشروع فكري يتحول من بناء إلى مناكفة يفقد تدريجيًا مبرر وجوده كـ“مشروع”. يصبح مجرد موقف سياسي متكرر، يدور في حلقة مغلقة، لا يضيف جديدًا، ولا يفتح أفقًا، ولا يلمس حياة الناس.

الدولة المدنية، كما تُطرح في الفكر السياسي الحديث، ليست موقفًا ضد تيار بعينه، وليست تعريفًا سلبيًا يُبنى على رفض الآخرين فهي مشروع إيجابي يقوم على أسس واضحة بأن يكون المواطن هو مركز الدولة لا أداة فيها، أن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، أن يُحترم القانون دون استثناء، أن تُصان الحريات دون انتقائية، وأن تكون السياسة مساحة تنافس على خدمة الناس لا على إقصاء بعضهم البعض.

لكن بعض من يتصدرون هذا الخطاب اختزلوا كل هذا التعقيد في معركة واحدة، معركة لا تُبنى على إنتاج نموذج، بل على مهاجمة نموذج آخر وكأن إثبات “المدنية” لا يتم إلا بنفي “الآخر”، لا بتقديم بديل أفضل، ولا ببناء نموذج أكثر إقناعًا.

المفارقة أن هذا النوع من الخطاب، رغم ادعائه الانحياز للديمقراطية، يقع أحيانًا في تناقضات جوهرية مع أبسط مبادئها فالديمقراطية لا تُختزل في اختيار الخصوم، ولا في شيطنة تيار سياسي، ولا في إعادة إنتاج الاستقطاب بشكل دائم فالديمقراطية، في معناها الحقيقي، هي القدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى عداء وجودي.

لكن ما يظهر في الممارسة عند بعض هؤلاء المدعين هو العكس تمامًا تضخيم الخصومة، إعادة تدويرها باستمرار، واستخدامها كأداة لإثبات الوجود السياسي والإعلامي وكأن الخطاب لا يعيش إلا على حرارة الصراع، وإذا هدأت المعركة، خفت الصوت، وغاب الحضور.

وهذا يقود إلى سؤال بسيط لهؤلاء لكنه جوهري أين المشروع؟…أين التحولات التي يفترض أن يصنعها هذا الخطاب في التعليم، في الثقافة، في الوعي العام، في سلوك الدولة، في علاقة المواطن بالمؤسسات؟ أين الأثر الملموس الذي يمكن أن يقال إنه نتيجة مباشرة لهذا الفكر؟

حين تغيب هذه الأسئلة، يصبح الحديث عن “الدولة المدنية” مجرد عنوان كبير بلا مضمون حقيقي يصبح أقرب إلى هوية لفظية، تُستخدم في الإعلام والمنصات، أكثر مما تتحول إلى ممارسة سياسية واجتماعية.

الأكثر خطورة أن هذا الانشغال بالمناكفة لا يستهلك فقط طاقة الخطاب، بل يستهلك أيضًا ثقة الناس فالمجتمع لا ينجذب إلى خطاب يعيش على الخصومة المستمرة فالناس تبحث عن نتائج، عن حلول، عن تحسين حياة، عن عدالة ملموسة، لا عن معارك كلامية متكررة بين نخب سياسية تعيد إنتاج ذاتها.

في النهاية، لا أحد يطلب من أي تيار أن يتخلى عن نقده أو أن يتنازل عن مواقفه فالنقد جزء أساسي من أي حياة سياسية صحية ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد من وسيلة إلى غاية، ومن أداة بناء إلى أداة استنزاف، ومن نقاش حول الدولة إلى صراع دائم حول الخصوم.

الدولة المدنية ليست شعارًا يُرفع في وجه الآخرين، بل مشروع يُبنى داخل المجتمع ومعه، لا ضده وما لم يخرج خطابهم من دائرة المناكفة إلى دائرة الفعل، سيبقى مجرد صوت عالٍ في فراغ كبير، لا يصنع دولة، ولا يبني وعيًا، ولا يترك أثرًا حقيقيًا على الأرض.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا