**حكمة القيادة ووحدة الساحات تكسر غطرسة ترامب وتفرض معادلة النصر لغزة ولبنان**

نبيل الجمل  …..

في عالم تمزقه البراغماتية السياسية الغربية وتتحكم في مساراته لغة المصالح الاستعمارية، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كركيزة ثبات وحصن استراتيجي لا يتزعزع، مقدّمةً نموذجاً فريداً في الإدارة السياسية والعسكرية القائمة على الحكمة والصلابة والوفاء للمبادئ. إن القراءة المتأنية للمشهد الإقليمي والدولي تكشف بوضوح حجم الخداع والمراوغة التي تمارسها الإدارة الأمريكية، ولا سيما مع عودة دونالد ترامب إلى الواجهة بسياساته القائمة على الابتزاز وإضاعة الوقت والالهاء، محاولاً فرض شروط تعجيزية ومستحيلة على طهران لإفشال المفاوضات وتحميلها المسؤولية، من خلال ربط أي اتفاق سياسي بملف التطبيع ودفع دول عربية وإسلامية جديدة إلى “اتفاقيات أبراهام” الخيانية. هذا الاشتراط الأمريكي يمثل ذروة الصلف السياسي؛ فالتطبيع مع كيان غاصب هو طعنة في جسد الأمة يرفضها كل حر ومقاوم وعربي ومسلم، وهي محاولة بائسة لشرعنة وجود الاحتلال على حساب دماء الشعب الفلسطيني واللبناني.

أمام هذا المنعطف التاريخي الخطير، وفي ظل استمرار قوات الاحتلال الصهيوني في اعتداءاتها الهمجية وحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة وفلسطين وجنوب لبنان، لم تقف طهران موقف المتفرج، بل أثبتت قيادتها الحكيمة والرشيدة، ممثلة في المرشد الأعلى آية الله السيد مجتبى خامنئي حفظة الله، بعد نظر وعمقاً استراتيجياً غيّر قواعد الاشتباك السياسي والعسكري. لقد صاغت القيادة الإيرانية معادلة جديدة تقوم على الصمود وبسالة القوات المسلحة، معلنةً بكل حزم: لا اتفاق ولا مفاوضات مع الولايات المتحدة ما لم يتم وقف إطلاق النار والعدوان بالكامل على لبنان وغزة. هذا الموقف التاريخي يمثل تجسيداً حقيقياً لمفهوم “وحدة الساحات” لمحور المقاومة؛ حيث رفضت إيران بشكل قاطع فصل ملفها النووي أو السياسي عن قضايا الأمة، جاعلةً من فلسطين وغزة شرطاً أساسياً غير قابل للتفاوض، لتؤكد للعالم أجمع أن دماء الشهداء في غزة وبيروت هي خط أحمر إيراني لا يمكن تجاوزه.

هذه الحكمة السياسية لم تكن لتؤتي أكلها لولا الاستناد إلى قوة رادعة على الأرض، وهو ما ترجمته تصريحات القيادة العسكرية للحرس الثوري الإيراني بدقة وبأس شديد. إن تحذيرات طهران بأن تجاوز الخطوط الحمر في لبنان وغزة يعد بمثابة مواجهة مباشرة مع الجمهورية الإسلامية لم تكن مجرد مناورة كلامية، بل هي عقيدة عسكرية مفعلة. وجاء الموقف الصارم لقائد مقر خاتم الأنبياء، اللواء علي عبد اللهي، ليعيد رسم حدود الردع، محذراً سكان المستوطنات العسكرية الشمالية في الأراضي المحتلة بضرورة المغادرة الفورية في حال نفذ بنيامين نتنياهو تهديداته بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، معتبراً أن هذه التحذيرات تأتي رداً طبيعياً على الانتهاكات الصهيونية المتكررة لاتفاقيات وقف إطلاق النار. بالتوازي مع ذلك، جاءت كلمات قائد فيلق القدس لترسخ الرعب في قلوب الأعداء، مؤكداً أن الاستمرار في الاعتداء على غزة ولبنان سيجعل الملاحة في باب المندب مطابقة للأوضاع في مضيق هرمز، مما يعني شللاً تاماً للاقتصاد الصهيوني والدولي الداعم له، ومشدداً على أن هذا الصلف الإسرائيلي لن يؤدي إلا إلى ترسيخ عزم محور المقاومة على تفعيل جبهات أخرى وأكثر إيلاماً.

هذا التلاحم العضوي والضغط الإيراني الذكي، عسكرياً وسياسياً، أثمر في نهاية المطاف تراجعاً أمريكياً وصهيونياً واضحاً وانكساراً لغطرسة ترامب ونتنياهو. والنتيجة السياسية اليوم تتحدث عن نفسها؛ إذ يجد الرئيس الأمريكي نفسه مجبراً على تحديد السياسة الإسرائيلية القادمة بناءً على قاعدة “الهدوء مقابل الهدوء”، وهي القاعدة التي فرضتها المقاومة بصمودها وضرباتها. وما تصريحات ترامب الأخيرة إلا اعتراف صريح بالهزيمة السياسية والعسكرية وفشل مشروع الابتزاز؛ فحين يصرح بأن نتنياهو أكد له عدم إرسال أي قوات إلى بيروت وإعادة القوات التي كانت في طريقها، وحين يقر بإجراء اتصالات رفيعة المستوى مع حزب الله للالتزام بوقف إطلاق النار الشامل، فإن ذلك يمثل إعلاناً رسمياً بانتصار إرادة المحور. إن انصياع الاحتلال لمعادلة “إسرائيل لن تهاجم حزب الله وهو لن يهاجم إسرائيل” هو نتاج مباشر للموقف الإيراني الحكيم والتلاحم الأسطوري لساحات المقاومة، ليثبت التاريخ مجدداً أن الحقوق لا تُستجدى في أروقة المفاوضات المخادعة، بل تُنتزع بصمود الشعوب وبنادق المقاومين وحكمة القيادة التي لا تساوم على دماء أمتها.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا