أبطال الكيبورد.. حين يتحدث الجهل بثقة الخبراء!
محي الدين غنيم ….
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مفتوحة للجميع، خرجت علينا فئة جديدة من “العباقرة الموسوعيين” الذين يملكون إجابات لكل شيء، ويفتون في كل شيء، ويتحدثون في السياسة والاقتصاد والطب والقانون والعلاقات الدولية، وكأنهم قضوا أعمارهم بين الجامعات ومراكز الأبحاث، بينما الحقيقة أنهم بالكاد قرأوا عنوان المنشور قبل أن يهرعوا إلى خانة التعليقات.
بعض هؤلاء النشطاء يمنح نفسه حجماً يفوق حجمه الحقيقي بمراحل، فيتصور أن عدد الإعجابات التي حصل عليها قد حوّله إلى مفكر استراتيجي، وأن عشرات التعليقات من أصدقائه ومريديه جعلت منه مرجعاً وطنياً لا يُشق له غبار. وما إن يفتح بثاً مباشراً حتى يبدأ بتوزيع التحليلات والنظريات وكأنه يجلس في غرفة عمليات دولية يدير شؤون العالم.
المضحك أن بعضهم لا يفرق بين المعلومة والإشاعة، ولا بين الرأي والحقيقة، لكنه يكتب بثقة مذهلة تجعل القارئ يظن أنه كان حاضراً في قلب الحدث. وإذا سألته عن مصدر معلوماته، اكتشف الجميع أن المصدر هو “وصلني”، أو “سمعت”، أو “أحدهم أخبرني”!
إنهم يبحثون عن الإعجابات كما يبحث العطشان عن الماء، ويطاردون التعليقات مهما كان مستواها، فكلما اجتمع حولهم السفهاء والمصفقون ازدادوا اقتناعاً بأنهم نجوم عصرهم وأصحاب رسالة تاريخية. أما النقد أو التصويب فيعتبرونه مؤامرة كونية تستهدف عبقريتهم الفذة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض هؤلاء يظنون أن الصوت المرتفع يغني عن العلم، وأن كثرة المتابعين تعوض نقص المعرفة، وأن الشهرة الرقمية تمنح صاحبها حصانة من الخطأ. فيتحول الجهل إلى بطولة، والتفاهة إلى إنجاز، والضجيج إلى إنجاز وهمي يُحتفل به كل يوم.
ويبقى الفرق كبيراً بين من يمتلك المعرفة فيتحدث بتواضع، ومن يمتلك حساباً على وسائل التواصل فيتحدث وكأنه اكتشف أسرار الكون. فالعاقل كلما ازداد علماً أدرك حدود معرفته، أما الجاهل فكلما ازداد تصفيق السفهاء حوله ازداد اقتناعاً بأنه أعظم مما هو عليه.
رحم الله زمناً كان فيه الناس يتعلمون قبل أن يتحدثوا، أما اليوم فقد أصبح البعض يتحدثون في كل شيء… إلا فيما يعرفون.
الكاتب من الأردن