فادي السمردلي يكتب: هل تكفينا المياه الجوفية في الأردن إلى أن ننجز الناقل الوطني للتحلية؟ معادلة الأمن المائي الأردني

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في كل نقاش جاد حول مستقبل المياه في الأردن، يبرز سؤال محوري لا يمكن تجاوزه هل تكفينا المياه الجوفية في الأردن لتأمين احتياجاتنا حتى دخول مشروع الناقل الوطني للتحلية مرحلة التشغيل الفعلي؟ هذا السؤال لا يحتمل إجابات انفعالية ولا وعوداً مطلقة، ولا يصح أن يُقدَّم بلغة تخويف أو طمأنة زائفة. فالأردن لا يواجه سيناريو نفاد مفاجئ للمياه، لكنه يعيش حالة أكثر تعقيداً تتمثل في إجهاد مائي تراكمي يتزايد مع الزمن نتيجة فجوة مستمرة بين الموارد المائية المتجددة والطلب المتنامي عليها بفعل السكان والتنمية والتغير المناخي.

في هذا السياق، تصبح المياه الجوفية في الأردن ليست مجرد مصدر من مصادر المياه، بل خط الدفاع الاستراتيجي الأخير الذي تعتمد عليه الدولة خلال مرحلة انتقالية حساسة، بانتظار دخول مشاريع التحلية الكبرى حيز التشغيل غير أن هذا الاعتماد لا يعني أن المخزون الجوفي في وضع آمن أو مستقر، بل يعني أنه يعمل تحت ضغط متواصل يستهلك الهوامش الآمنة تدريجياً.

الأردن يُصنف ضمن أكثر دول العالم فقراً بالمياه، إذ تقل حصة الفرد من المياه عن خط الفقر المائي العالمي بشكل كبير، وذلك نتيجة طبيعة مناخية جافة، وتذبذب الأمطار، وارتفاع معدلات النمو السكاني، والتوسع العمراني والصناعي، إلى جانب الطلب الزراعي المرتفع. وفي ظل هذه المعطيات، يعتمد الأردن بدرجة كبيرة على المياه الجوفية لتأمين احتياجات الشرب والزراعة والصناعة، مع وجود فجوة مائية يتم التعامل معها عبر إدارة تشغيلية دقيقة للموارد المتاحة.

ويأتي مشروع الناقل الوطني للمياه المحلاة من العقبة كتحول استراتيجي كبير، إذ من المتوقع أن يضيف قرابة 300 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة إلى النظام المائي الأردني غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، لا يمثل حلاً فورياً أو بديلاً كاملاً عن المصادر الجوفية، بل هو إضافة بنيوية تعيد تشكيل معادلة العرض المائي دون أن تلغي التحديات المرتبطة بالمياه الجوفية القائمة.

ولفهم عمق الأزمة، لا بد من التمييز بين نوعين رئيسيين من المياه الجوفية في الأردن النوع الأول هو المياه الجوفية المتجددة، وهي التي تعتمد على التغذية السنوية من الأمطار، وهي محدودة جداً وغير مستقرة في أغلب الأحواض أما النوع الثاني فهو المياه الجوفية الأحفورية، وهي مياه تراكمت عبر آلاف أو عشرات آلاف السنين في تكوينات جيولوجية عميقة مثل حوض الديسي وبعض تكوينات البادية ووادي عربة، وهي عملياً غير متجددة على المدى البشري وهنا تكمن الخطورة، إذ إن التعامل مع هذا المخزون كما لو كان مورداً متجدداً يؤدي إلى استنزاف غير قابل للتعويض زمنياً.

ويعمل النظام الجوفي وفق معادلة ميزان بسيطة تغذية طبيعية مقابل سحب سنوي وعندما يتجاوز السحب معدلات التغذية، تتشكل فجوة مائية تؤدي إلى ما يعرف بالعجز المائي الجوفي وتنعكس هذه الحالة في عدة مظاهر واضحة، أبرزها انخفاض مناسيب المياه بشكل مستمر، مما يضطر إلى زيادة أعماق الضخ ورفع كلفة الطاقة بشكل كبير كما تظهر آثار أخرى تتمثل في تراجع نوعية المياه، حيث ترتفع الملوحة أو تتغير الخصائص الكيميائية في بعض الأحواض نتيجة الإجهاد الهيدرولوجي، إضافة إلى مخاطر التلوث خصوصاً في المناطق القريبة من النشاط الزراعي والصرف غير المعالج.

أما الإجابة على السؤال المركزي، فهي أن المياه الجوفية يمكن أن تكفي كجسر عبور مائي حتى تشغيل الناقل الوطني، لكن بشرط حاسم يتمثل في إدارة صارمة للغاية للطلب والسحب فالمسألة ليست مسألة كفاية مطلقة أو نفاد وشيك، بل مسألة قدرة على الصمود ضمن إدارة مضبوطة خلال فترة انتقالية محددة والخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان المياه خلال فترة قصيرة، بل في استمرار تدهور النوعية وارتفاع الكلف التشغيلية وتعمق الضخ إذا استمر النمط الحالي دون ضبط.

وفي المقابل، فإن مشروع الناقل الوطني يمثل تحولاً استراتيجياً وليس حلاً شاملاً فهو يضيف مورداً جديداً للنظام المائي، لكنه لا يعيد شحن أو إنعاش الخزانات الجوفية المستنزفة تاريخياً وبالتالي فإن قيمته الحقيقية تكمن في إعادة توزيع الضغط على المصادر المائية، وإتاحة فرصة لإعادة تنظيم العلاقة مع المياه الجوفية على أسس أكثر استدامة.

وفي هذه المرحلة الانتقالية، يصبح من الضروري اعتماد حزمة إجراءات متكاملة تشمل ضبط الضخ الجوفي وفق قدرات الأحواض الفعلية، وإنشاء خريطة وطنية ديناميكية للمياه الجوفية تُحدَّث باستمرار، وحماية الخزانات الاستراتيجية باعتبارها مخزوناً وطنياً غير قابل للاستنزاف العشوائي، إلى جانب إعادة هيكلة الطلب المائي، خصوصاً في القطاع الزراعي عبر تحسين كفاءة الري وتغيير نمط المحاصيل، والعمل الجاد على خفض الفاقد المائي باعتباره أسرع مصدر لتعويض العجز دون كلفة حفر أو ضخ إضافي.

في المحصلة، المياه الجوفية في الأردن ليست في طريقها إلى النفاد الفوري، لكنها في طريقها إلى تراجع الهوامش الآمنة إذا لم يُعاد ضبط إدارتها بشكل جذري وهي قادرة على لعب دور جسر العبور حتى تشغيل الناقل الوطني، لكن بشرط أن تُدار باعتبارها مخزوناً استراتيجياً محدوداً لا مورداً مفتوحاً.

وفي النهاية، فإن الأمن المائي الأردني لا يمكن أن يقوم على حل واحد، بل على معادلة متكاملة تجمع بين التحلية، والإدارة الصارمة للمياه الجوفية، ورفع كفاءة الاستخدام، وتطوير المعرفة العلمية فالأردن لا يواجه مجرد أزمة مياه، بل يواجه ضرورة إعادة تعريف طريقة إدارة الندرة نفسها كخيار استراتيجي للدولة.

وفي النهاية، فإن هذا المقال يستند في فكرته وتحليله إلى طرحٍ علمي ورد في مقالات أ.د. محمد الفرجات حول إدارة المياه الجوفية في الأردن والتحول المائي نحو التحلية، مع إعادة صياغة وتطوير للمحتوى ضمن سياق تحليلي موسّع.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا