فادي السمردلي يكتب: الشباب الأردني لم يعد يحلم بل يفكر بالمطار

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في الأردن، تغيّر شيء كبير داخل جيل كامل دون ضجيج واضح
فالشباب الذين كانوا يتحدثون يومًا عن مشاريعهم وأحلامهم ومستقبلهم داخل البلد، أصبح كثير منهم يتحدث اليوم عن السفارات، وعقود العمل، والفيزا، والمطارات.

كأن الحلم نفسه غادر قبل أن يغادر أصحابه ففي كل بيت تقريبًا، هناك شاب يفكر بالسفر
ليس لأن الحياة في الخارج مثالية، ولا لأن الوطن لم يعد يعني له شيئًا، بل لأنه يشعر أن الطريق هنا أصبح ضيقًا أكثر مما يحتمل عمره وطموحه.

الأردني الشاب اليوم لا يعيش أزمة رغبات كبيرة، بل أزمة أمل،
يتخرج من الجامعة بعد سنوات من التعب والدراسة، ثم يكتشف أن الشهادة وحدها لم تعد تفتح بابًا، وأن الوظيفة التي انتظرها قد لا تأتي، أو تأتي براتب بالكاد يكفي أجرة الطريق فيبدأ بمقارنة بسيطة بين ما يريده من الحياة وما يستطيع الوصول إليه، فيجد أن المسافة بين الاثنين تكبر كل يوم.

وهنا يبدأ التفكير بالمطار ليس كمغامرة… بل كخطة حياة
والأصعب أن الحديث عن الهجرة لم يعد مرتبطًا بالفشل فقط
حتى المتفوق، والطموح، وصاحب المهارة، أصبح يرى مستقبله خارج الحدود أكثر مما يراه داخلها.وهذا ما يجعل القضية مؤلمة لأن البلد لا يخسر فقط العاطلين عن العمل، بل يخسر شبابه الأكثر قدرة على البناء أيضًا.

في جلسات الشباب اليوم، تغيّرت اللغة بالكامل ففي السابق، كان السؤال: “ماذا تريد أن تعمل؟”
أما اليوم فأصبح: “إلى أين بدك تسافر؟”

هذا التحول وحده يكفي لفهم حجم التعب الداخلي الذي يعيشه الجيل الجديد ورغم كل ذلك، يبقى التناقض واضحًا ومؤلمًا
فمعظم الشباب الذين يريدون المغادرة يحبون الأردن فعلًا يحبون الناس، والهوية، والذكريات، والحياة البسيطة التي تربّوا عليها ولكن الحب وحده لا يهزم الخوف من المستقبل.

الشاب الأردني اليوم لا يبحث عن الرفاهية بقدر ما يبحث عن شعور طبيعي بالحياة ويريد أن يعمل دون أن يشعر أن عمره يضيع ويريد أن يفكر بالزواج دون خوف ويريد أن يشعر أن تعبه يمكن أن يبني له شيئًا حقيقيًا.

لكن مع ضغط البطالة، وارتفاع تكاليف الحياة، وشعور كثيرين بأن الفرص محدودة، تحوّل السفر من خيار إلى حلم جماعي صامت.

حتى الأهل تغيّروا.
في السابق، كانت فكرة سفر الابن مؤلمة ومرفوضة أحيانًا واليوم، كثير من العائلات نفسها أصبحت تدفع أبناءها للمغادرة، ليس لأنها تريد خسارتهم، بل لأنها تخاف عليهم من البقاء بلا مستقبل واضح.

وهنا تكمن المرارة الحقيقية
أن يصل جيل كامل إلى قناعة أن الأمان المهني والمعيشي قد يكون خارج وطنه أكثر مما هو داخله.

ومع ذلك، يبقى أكثر ما يوجع في قصة الهجرة الأردنية أن كثيرًا من الشباب لا يغادرون وهم غاضبون من البلد… بل وهم حزينون عليه.

يغادرون وهم يحملون الأردن في قلوبهم، لكنهم يشعرون أن أحلامهم أصبحت أثقل من قدرة المكان على حملها.

ولهذا، لم يعد المطار عند كثير من الشباب مجرد مكان للسفر…
بل أصبح اختصارًا لفكرة النجاة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا