قبلة البيت الأبيض و زيارات تاريخيّة خارج الجغرافيا
د . راشد الشاشاني …..
لا لسواد العيون ؛ بل لسواد المصير …
شبكةٌ متعاكسة من الزيارات ” التاريخيّة كما يسمّونها ” إلى واشنطن خوفاً ” عفواً ” حباً ؛ وإلى غيرها بُغضاً . فإن بدأنا من زيارة ماكرون إلى سوريا : يمكننا فهم الحركات العبثيّة ، التي يحاول فيها ماكرون قطع طريق ترمب – الذي لا يمدح شخصاً إلا للإيقاع به – من خلال استقراء قلق ماكرون الدائم من ” لكمةٍ زوجيّة ” تنعكس على فعل كلّ ما هو عشوائيّ بلا فائدة ، يكفي أن ندقّق في فأل هذه الزيارة التي أقلقتها مجموعة صغيرة متصارعة على مكسب ما ، بعد تحوّل الصراع من ساحات “الحواجز” إلى ساحات المناصب.
أمّا زيارة رئيس وزراء العراق الى واشنطن ، فهي : لم تزد عن حدّ انتشاء ترمب ؛ وهو يصوّر للعالم أهميّة هدايا ” حجيجه ” لكنّ الأمر لم يتوقّف عند هذا الحدّ ، بل وصل إلى حدّ استعمال الزيدي مخزون ثقة غير متوفر أصلاً ؛ للحديث عن موعد نهائي لنزع سلاح الفصائل ، في مغامرة أقلّ ما يُقال عنها ، أنّها : متسرّعة . حتى ترمب ذاته لم يجرؤ على طلبها منه.
ظاهرة تقديم تنازلات غير مطلوبة ؛ بل زائدة عن حدّ ” نيل الرضا” مألوفة في سياسات المنطقة ، لقد بدت واضحةً عند سقوط الأنظمة ، حين بانَت هلاميّة قوى الدعم التي أحرقت أعمار اهالي هذه الدول وأرزاقهم ؛ قبل اكتشافهم صنميّة خوفهم في ” ليلةً بلا ضحى ” .
لكنّ اللعبة التي أظهرت قدراً أكبر من ” الفهلوة ” كانت في زيارة رئيس وزراء لبنان إلى تركيا ، التي أراد منها الالتفاف خلف ” جدار المنزل ” على شكل السيطرة في معركته مع حزب الله ، وفقاً لاعتبارات الدعم التركي للإدارة السوريّة من جهة ، و مراوغة تركيا في تسويق عداء اسرائيل ، من جهة ثانية ؛ في خطوة يسعى فيها أردوغان إلى سحب قيادة تدخّل سوري في لبنان من يد ترمب ، لكن مع كل هذه الخسارات يبقى لبنان رابحاً ل ” دفتر المذكرات المترجم ” هديّة من ” سنّي إلى سنّي أو سنّة ” .
يبدو أنّ اللغة الإنجليزيّة أكثر قبولا من التركيّة لدى الرئيس اللبناني ؛ الذي يزور الولايات المتحدة اليوم . لا تختلف زيارته هذه عن زيارات غيره من حيث تأثيرها في مسار الأحداث ، لن تتعدى في أحسن أحوالها فرصةً لإلقاء ترمب خطبة من خُطَبِه المُملّة عن التدمير ، الإعمار ، الصفقات ، الإرهاب ، و دور إيران … الخ . ليس في جعبته ترمب ما يقدّمه إلى لبنان أكثر من استعمالها ساحةً لفوضى عِراكِه مع إيران ، هو ذاته حال جعبة عون ؛ الذي قدّم من التنازلات ما لم يُطلب منه حتّى ؛ بحيث لم يبقى لديه المزيد منها ، أي : ” شو رايح تعمل ” .
ليس هناك سوى تحميل ترمب لعون مسؤوليّة موافقة الأخير على دخول سوري لبلاده ومنحه شرعيّة ؛ تُعفي ترمب من تبعات المخاطرة فيها ؛ باعتبارها حلقة مهمّة في حلقات سير الأحداث ؛ التي رتّب فيها ترمب صداماً قادماً في بلاد عون وجارتها ، يريد لهما الإنزلاق في تأمين ” شرعيّة تزاوج فرص” هاتين الجارتين ، و تحقيق نزف إيراني يُمكّن ترمب من تحضير انقضاضةٍ عليها .
تبقى أخيراً زيارة نتياهو المرتقبة إلى الولايات المتحدة ، التي يحاول فيها فهم ما سيأتي ، بعد استماعه إلى درس ترمب حول أصول التعامل التجاري في قضايا سياسيّة عسكريّة ، بات واضحاً أنّ كلّاً منهما لا يعلم منها شيئاً ، سوى تدوير المقالب وإعادة ديباجات الانتصار على الارهاب .
زبدة ما يتوسّل إليه ترمب هو : إخلاء ” ساحة الفوضى ” أمام الفوضى التي تضمن له الإبتعاد عن مُعاركة مواقع لا تغيّرها جيوشه ، لهذا أبلغ نتنياهو بالانسحاب من لبنان وسوريا ؛ كي لا ينجرّ إلى تحمّل المسؤوليّة عنه ، وقبل ذلك سحب قوّاته من سوريا والعراق بنسبة ما ، لأنّه يعرف جيّدا أنّ فوضى كبيرة قادمة ، لكنّه لا يعرف حجمها ولا أين ستنتهي .
الكاتب من الأردن