وزراء الأردن لما لا تنتهي صلاحيتهم
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ………………….
يقولون إن لكل شيء تاريخ انتهاء بالصلاحية. الحليب له صلاحية، والدواء له صلاحية، وحتى البطارية يأتي يوم وتضعف. إلا عندنا، يبدو أن بعض الوزراء اكتشفوا سر الخلود السياسي، فلا يتقاعدون إلا على الورق، أما في الواقع فهم حاضرون، ينتظرون جرس الهاتف وكأنهم خرجوا في إجازة قصيرة.
ما إن يغيب أحدهم عن المنصب بضعة أشهر، حتى يبدأ بالظهور على الفضائيات، ويكتب المقالات، ويحلل كل صغيرة وكبيرة، ويمنح الحكومة النصائح بالمجان، وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: “أنا جاهز… فقط تذكروا اسمي عند أول تعديل وزاري.”
والأطرف من ذلك أن بعضهم لا يقتنع بأن لكل مرحلة رجالها. فإذا لم يعد وزيرًا، أصبح رئيس مجلس إدارة، وإن لم يجد مجلسًا، وجد هيئة مستقلة، وإن ضاقت الأماكن، بقي خبيرًا استراتيجيًا لا ينام إلا وهو يحلم بالكرسي الذي غادره ولم يغادر قلبه.
لا أحد يختلف على قيمة الخبرة، لكن الخبرة شيء، واحتكار المشهد شيء آخر. فالدول لا تتقدم بإعادة تدوير الوجوه نفسها كل بضع سنوات، وكأننا أمام مسلسل يعيد الحلقة الأولى في كل موسم، مع تغيير بسيط في الديكور فقط.
المشكلة أن بعض المسؤولين يعتقد أن الوطن يبدأ من مكتبه وينتهي عند باب سيارته الرسمية، فإذا غادر المنصب شعر أن الدولة كلها فقدت توازنها، وأن عجلة الحياة توقفت بانتظار عودته. والحقيقة أن الدولة تستمر، والمؤسسات تبقى، والناس تنسى أسرع مما يتخيل أصحاب المعالي.
لو أن المناصب تُمنح بالإصرار على الظهور الإعلامي، لما بقي كرسي شاغر في البلد. لكن المناصب مسؤولية وليست جائزة ترضية، وخدمة وطن لا رحلة بحث دائمة عن عنوان وظيفي جديد.
الأردن لا يعاني من نقص في الرجال، ولا من قلة الكفاءات، بل يعاني أحيانًا من فائض في الذين يرفضون تصديق أن وقتهم قد مضى، وأن لكل جيل فرصته، ولكل مرحلة رجالها.
ويبقى أجمل المسؤولين ذلك الذي يغادر المنصب قبل أن يغادره احترام الناس، ويترك وراءه سيرة طيبة لا ملفًا ينتظر إعادة التدوير. فالكراسي لا تبكي أصحابها، لكنها كثيرًا ما تضحك من الذين يظنون أنها خُلقت على مقاسهم.
الكاتب من الأردن