فادي السمردلي يكتب: الهوية الوطنية الأردنية.. هل تستطيع أغنية أن تفعل ما لا يفعله خطاب سياسي؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

في الوقت الذي تتحدث فيه الخطب السياسية عن الوطن والانتماء والمواطنة، ربما تستطيع أغنية واحدة أن تصل إلى الناس بطريقة مختلفة تمامًا كلمات بسيطة، ولحن يحفظه الجمهور، وفنان يقف على المسرح، وفجأة تجد مئات أو آلاف الأشخاص يرددون الكلام نفسه بصوت واحد.

هذه اللحظة قد تبدو عادية في حفل غنائي، لكنها في الحقيقة تحمل معنى أكبر فالأغنية أحيانًا لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تجعل الإنسان يشعر بأنه جزء من شيء مشترك مع الآخرين.

ومن هنا يأتي السؤال هل تستطيع أغنية أن تفعل ما لا يفعله خطاب سياسي؟

ربما تستطيع، لأن الخطاب السياسي يحاول في الغالب أن يقنع، بينما الأغنية تحاول أن تجعلنا نشعر.

عندما يسمع الإنسان أغنية ارتبطت بطفولته أو بوالديه أو بمدرسته أو بمناسبة وطنية عاشها، فإنها لا تعود مجرد كلمات وموسيقى فتصبح جزءًا من ذاكرته. وقد ينسى تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه يتذكر لحنًا سمعه قبل سنوات، وربما يتذكر أين كان ومن كان معه في تلك اللحظة.

وهذا هو الجانب الذي يجعل للفن علاقة مباشرة بالهوية.

فالهوية الوطنية ليست فقط جواز سفر أو رقمًا وطنيًا أو مجموعة من القوانين فهذه أمور أساسية بالتأكيد، لكنها ليست كل شيء وهناك أيضًا الذاكرة والثقافة واللهجة والأغاني والعادات والأماكن والقصص التي تنتقل من جيل إلى آخر.

كل هذه التفاصيل تصنع صورة الإنسان عن وطنه.

ولذلك فإن الحديث عن الهوية الوطنية لا يجب أن يبقى محصورًا في الخطابات الرسمية فالناس لا يعيشون طوال الوقت داخل النصوص والقوانين، وإنما يعيشون في تفاصيل حياتهم اليومية، وفي الأشياء التي يحبونها ويتذكرونها ويربطونها بماضيهم.

وهنا يأتي دور الفن.

في مهرجان جرش مثلًا، لا يجتمع الناس فقط لمشاهدة فنان أو الاستماع إلى أغنية فهناك أيضًا مكان له قيمة تاريخية كبيرة، وجمهور من الأردن ومن دول عربية مختلفة، وفنانون يقدمون جزءًا من الثقافة التي ينتمون إليها.

قد لا يفكر الشخص وهو يستمع إلى أغنية في معنى الهوية الوطنية، لكنه قد يشعر بها من خلال اللحظة نفسها فعندما يردد الجمهور أغنية يعرفها الجميع، يصبح هناك شيء مشترك بينهم، حتى لو كانوا مختلفين في العمر أو العمل أو الآراء.

وهذه ربما واحدة من أهم نقاط قوة الفن.

السياسة بطبيعتها تقوم على الاختلاف فالناس يختلفون في آرائهم ومواقفهم، وقد يكون من الصعب أن يتفقوا على قضية واحدة أما الأغنية، فيمكن أن تجمع هؤلاء الأشخاص للحظات من دون أن تسألهم عن آرائهم.

الجميع يغني.

وهذا لا يعني بالطبع أن الأغنية تستطيع حل الخلافات السياسية أو أن الفن يمكن أن يحل مكان الدولة أو المؤسسات فهذا أمر غير واقعي. لكن الفن يستطيع أن يصنع مساحة مشتركة بين الناس، وهذه المساحة مهمة عندما نتحدث عن الانتماء والهوية.

المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن الهوية الوطنية يمكن أن تُبنى بالشعارات فقط.

لا يمكن أن نقول للشباب إن التراث مهم، ثم نقدم لهم هذا التراث بطريقة بعيدة عن حياتهم ولا يمكن أن نطلب منهم أن يشعروا بالانتماء إلى تاريخهم وثقافتهم من دون أن نساعدهم على معرفتهما بطريقة قريبة منهم.

الفن هنا يستطيع أن يساعد.

أغنية قد تجعل شابًا يبحث عن مكان ورد اسمه فيها فيلم قد يدفعه إلى السؤال عن شخصية تاريخية لم يسمع عنها من قبل مسرحية قد تجعله يرى قصة يعرفها بطريقة مختلفة وحتى صورة أو لحن يمكن أن يعيدا إلى الذاكرة شيئًا ظن الإنسان أنه نسيه.

لكن في المقابل، ليست كل أغنية تتحدث عن الوطن قادرة على بناء الهوية.

هناك فرق بين الأغنية التي تحمل شعورًا حقيقيًا، وبين الأغنية التي تكرر الشعارات فقط فالناس في النهاية لا يتذكرون الكلمات لأنها رسمية، وإنما لأنها لمست شيئًا داخلهم.

وربما لهذا السبب تبقى بعض الأغاني لسنوات طويلة، بينما تختفي أغنيات أخرى بعد انتهاء المناسبة التي كتبت من أجلها.

الهوية الوطنية تحتاج إلى الصدق أكثر مما تحتاج إلى المبالغة وتحتاج إلى ثقافة حية يستطيع الناس أن يروا أنفسهم فيها، وليس فقط إلى كلمات كبيرة تتكرر في المناسبات.

في الأردن، حيث تتداخل الذاكرة التاريخية مع الثقافة والفن والموسيقى والمكان، يمكن أن يكون للفن دور أكبر في الحديث عن معنى الانتماء فالوطن ليس فقط ما نقوله عنه، وإنما أيضًا ما نشعر به عندما نسمع أغنية، أو نرى مكانًا، أو نتذكر قصة، أو نلتقي بأشخاص يشتركون معنا في ذاكرة واحدة.

في النهاية، يستطيع السياسي أن يتحدث عن الوطن، ويستطيع الكاتب أن يكتب عنه، ويستطيع المؤرخ أن يوثق تاريخه، لكن الفنان يستطيع أحيانًا أن يحول كل ذلك إلى إحساس.

ولهذا قد تكون الإجابة عن السؤال: هل تستطيع أغنية أن تفعل ما لا يفعله خطاب سياسي؟

نعم، ربما تستطيع.

ليس لأنها أقوى من الخطاب السياسي، وإنما لأنها تصل إلى مكان مختلف في الإنسان مكان لا يحتاج دائمًا إلى الإقناع، بل يحتاج إلى شعور بسيط بأن هناك شيئًا يجمعنا.

وربما لهذا السبب، عندما يغني الناس معًا، لا يفكرون كثيرًا في اختلافاتهم.

فهم فقط يغنون الأغنية نفسها.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا