فادي السمردلي يكتب: الأردن وطنٌ وتاريخٌ وهوية… وليس رقمًا على الخريطة
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
عندما نفكر في الوطن، فإن أول ما يخطر في بالنا هو المكان الذي ولدنا فيه، الشوارع التي مشينا فيها، وجوه الناس التي اعتدنا رؤيتها، والأماكن التي تحمل ذكرياتنا ولكن الوطن في الحقيقة أكبر من حدود مرسومة على خريطة، وأعمق من مجرد اسم نكتبه في الأوراق الرسمية الوطن هو شعور يعيش داخل الإنسان، وهو علاقة بين المواطن والأرض والتاريخ والناس.
الأردن بالنسبة لنا ليس مجرد دولة صغيرة في المساحة أو قليلة الموارد، بل هو قصة طويلة من الصبر والتحدي والبناء فهو قصة أجيال عاشت ظروفاً صعبة، لكنها آمنت بأن الوطن لا يقاس بما يملك من ثروات فقط، بل بما يملكه من إرادة وأبناء قادرين على حمل المسؤولية.
في السنوات الأخيرة أصبح الحديث عن الوطن والهوية الوطنية أكثر حضوراً من أي وقت مضى ربما لأن العالم تغير بسرعة، وأصبحت الأفكار والثقافات تصل إلينا من كل مكان، وربما لأن الإنسان أصبح يبحث أكثر عن السؤال المهم من نحن؟ وما الذي يجمعنا؟
الهوية الأردنية ليست كلمة نرددها في المناسبات، وليست شعاراً نرفعه عندما نحتاج إليه فقط فالهوية هي تفاصيل صغيرة نعيشها كل يوم هي طريقة تعاملنا مع بعضنا، احترامنا للكبير، مساعدة المحتاج، وقوفنا مع بعضنا في الظروف الصعبة، وهي أيضاً شعورنا بأن نجاح الوطن هو نجاح لنا جميعاً.
لقد تشكلت الشخصية الأردنية عبر سنوات طويلة من التنوع فالقرية والبادية والمدينة ، كل منها أضاف جزءاً من قصة الأردن فهذا التنوع لم يكن يوماً نقطة ضعف، بل كان أحد أسباب قوة المجتمع الأردني وقدرته على تجاوز الكثير من التحديات.
لكن الحديث عن الوطن لا يعني أن نتجاهل هموم المواطن.
فحب الوطن لا يعني أن نسكت عن المشاكل، بل يعني أن نبحث عن حلول لها فالمواطن الأردني اليوم يحمل الكثير من الأسئلة والقلق حول المستقبل، خاصة فيما يتعلق بفرص العمل، وارتفاع تكاليف الحياة، ومستقبل الشباب.
الشاب الأردني الذي يبحث عن فرصة عمل لا يحتاج فقط إلى كلمات تشجيع، بل يحتاج إلى مشروع واضح يشعره بأن لديه مكاناً ودوراً في بناء وطنه فالشباب هم طاقة الأردن الحقيقية، وإذا فقدوا الأمل فإن خسارتنا لا تكون اقتصادية فقط، بل تكون خسارة في روح المجتمع.
وفي الوقت نفسه، فإن الدولة لا تستطيع وحدها أن تحقق كل شيء، كما أن المواطن لا يستطيع وحده تغيير الواقع.
فبناء الوطن مسؤولية مشتركة بين الجميع بين المؤسسات والمواطنين، بين المسؤول والموظف، وبين الجيل الحالي والجيل القادم.
عندما نتذكر رجالات الأردن الذين تركوا بصمة في تاريخ الدولة، فإننا لا نتذكرهم فقط بسبب مناصبهم، بل بسبب الأفكار التي حملوها وطريقة فهمهم لمعنى المسؤولية ومن بين هذه الشخصيات يبقى اسم الشهيد وصفي التل حاضراً في ذاكرة الكثير من الأردنيين، لأنه ارتبط بصورة رجل الدولة الذي كان يرى أن المسؤولية خدمة قبل أن تكون سلطة.
قد يختلف الناس في تقييم الشخصيات التاريخية، وهذا أمر طبيعي، لكن ما يبقى مهماً هو الدروس التي يمكن أن نتعلمها من تجاربهم فالأوطان تحتاج دائماً إلى أشخاص يؤمنون بالعمل والإنجاز، ويضعون مصلحة الدولة والمجتمع فوق المصالح الشخصية.
اليوم، ونحن نعيش مرحلة مليئة بالتحديات، ربما نحتاج إلى إعادة التفكير في معنى المواطنة فالمواطنة ليست فقط حقوقاً نطالب بها، بل هي أيضاً واجبات نقوم بها هي أن نحافظ على الممتلكات العامة، وأن نحترم القانون، وأن نشارك في بناء مجتمع أفضل.
الأردن لم يكن يوماً وطناً بلا صعوبات، لكنه كان دائماً وطناً يعرف كيف يتجاوز الصعوبات
فالقوة الحقيقية لأي بلد ليست فقط في اقتصاده أو موارده، بل في تماسك أبنائه وثقتهم بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
إن الحفاظ على روح الوطن لا يكون بالعيش في الماضي فقط، ولا بتجاهل مشاكل الحاضر، بل بالجمع بين الاثنين: أن نحترم تاريخنا، وأن نعترف بتحدياتنا، وأن نعمل من أجل مستقبل يليق بالأجيال القادمة.
في النهاية، الأردن ليس رقماً على الخريطة، وليس مجرد مكان نعيش فيه فالأردن هو قصة آبائنا وأجدادنا، وهو مسؤوليتنا نحن أيضاً فكل جيل يترك بصمته، والسؤال الذي سيبقى أمامنا جميعاً ماذا سنترك نحن للأجيال التي ستأتي بعدنا؟
فالوطن لا يحافظ عليه الكلام وحده، بل يحافظ عليه أبناء يؤمنون أن الانتماء الحقيقي هو عمل يومي وسلوك قبل أن يكون شعاراً.
الكاتب من الأردن