من هي الحقيقة وما هو الكذب

د . راشد الشاشاني  ……

 

كما نفهم نحن الأشياء بطريقة التمازج ، وخلافاً لما هو سائد ؛ الكذب ليس عكساً للحقيقة ؛ إنّه يتداخل معها ؛ بحيث تكون كذباً حين لا تكون الحقيقة ماثلة كما يريدها المُتلقّي ؛ بل كما أرادها المتحدّث . غير أنّ مثول الحقيقة هذا ، وهو يعني : صورة العرض التي يُراد منها أن تصل بالمتلقي إلى حدٍّ ما ، يدفعه إلى الإعتقاد بأمر ما ؛ لا يقف عند حدّ إخفاء تفاصيل أمر ؛ بعضها أو كلّها ، وإن كانت صورة الكذب هذه هي الرائجة أو الغالبة ، أو حتى الوحيدة في عرف الناس .
لقد مرّ كلّ منكم بحالة إحباط ؛ أوصَلته إليها أصداء كلمات لطالما كانت موجّها ومُعيناً ، حاول من خلالها اجتياز امتحاناً من امتحانات الدنيا ، أو أزمةً من أزماتها ، لكنّه تفاجأ بفشله ، إحباطه هذا لم يكن وليداً للصدفة ، لقد كان ناتجاً عن سَيرٍه في طريق خاطئٍ ، متوهّمٍ ؛ ضلّ فيه هَديَهُ ؛ حين رُسِمَت لَهُ الصورة بإيحاء الكلمات ؛ ومعها الإيماءات والإشارات ، التي كانت جزءا من خطّة ” إخراج مسرحيّ ” نَجَح صاحب “مروّج ” الكلمات بطَبعِها في ذهنه _ أي المُحبَط _ حين استهوَته صورة ، صنعها ” الميل ” مع هوى المجموع ، والإختباء خلف الخوف من مجابهته .

ليس هذا وجهاً وحيدا من أوجه الكذب ، هناك وجه آخر أكثر ” بشاعة ” تحكيه حكايات ” الوعّاظ ، المنظّرين ، الساسة ، النشطاء ، القادة … الخ . وهم يسوّقون قصص البذل والعطاء والتضحيات ، حين يتربّع كل منهم فوق قاعدة ” استحالة اختباره ” كلّ واحدٍ منهم ؛ غير مستعدٍّ لإجراءِ امتحانٍ واحدٍ يمرُّ به غيره ، بمعنى : أنّه غير مستعدٍّ لتحمّل مسؤولية كلامه ، فكيف يُمكنه تَحمّل ما هو أبعد من ذلك . مثلٌ بسيطٌ يمكنك عرضه مع ذاتك : كلّ الذين تحدّثوا عن الجوع يعيشون في القصور ، كلّ الذين حرّضوا على الجهاد لم يموتوا في معركة ، كلّ الذين تحدّثوا عن الوطنيّة لم يمرّ عليهم يوم دون عمل … الخ . لم يجُع لحظةً ؛ ذاك الذي أشبّعك سرداً لقصص : ربط البطون بالأحجار ، وهو لا يملك _ كما غيره _ دليلا عليها ، سوى صورة المسرح التي تحدّثنا عنها في مقابل استحالة فحص صدقها .
كلّ كلمات التضحيات وسردها حول : نقطة الصفر ، المثابرة ، الصبر ، الأمل … الخ ؛ التي ينبغي للناس _ وفقا لرأي هؤلاء _ أَن يَبدأو منها ؛ لا تُلزمهم وَضعَ أنفسهم ؛ أو من يخصّهم عُرضةً لها ؛ هذه للتسويق فقط .

بتطبيق حديثنا هذا في مثال عمليّ كالعادة ؛ نقول : إنّه يفترض في المدرسة والجامعة وغيرها من مؤسّسات التعليم ؛ أن تبعَث في نفس المنتسبين إليها _ سواء أكانوا طلبة أو مدرّسين أو غيرهم _ قبل عقلهم ، شيئا جديداً ، لا تقتصر هذه الجِدَّة على المعلومات ، بل ؛ تتعداها إلى السلوك ، طريقة التفكير ، التعامل مع الذات والآخرين ، كذلك الأحداث المحيطة بالنفس ، وغيرها ، تطال هذه الجِدَّة أيضاً ؛ كلّ ما ليس من مهمّة الأسرة ، لا أن تنطلق منها ، أي الأسرة .
لكنّ واقع الحال ؛ الذي سيطر بفعل حالة ” الكذب الحقيقي أو الحقيقة الكاذبة ” وهي التي قلنا أنّها : ” صورة منظّمة بإخراج ” قَلَبَت الفكرة إلى غير مُرادها : فبدَلاً من أن تعطي المدرسة والجامعة للأسرة ، حَدث العكس ، حين يسير المعلّم _ بغضّ النظر عن مكانه ومستواه _ في خطّ السير الجماعي ، الذي يَخشى معه مخالفةَ السائد ، أو يخالفه فعلاً ؛ لكنّه لا يتحمّل مسؤولية ما يقول ؛ يحدث حتماً أن تنقلب هذه المؤسّسة إلى منبعٍ للجهل وليس التعلّم ، للخداع وليس الصدق . المُسيطر هو : نَسَقُ الأسرة : بمعنى نسق المجتمع العام وطيفه الثابت بتراكم ” خوف من جديد ” .
إذاً ما هي حاجة كلّ هذا الحجم الضخم من المؤسّسات ؟
وما هي حاجة الإنفاق على مجهود ينتهي بالإحباط ؟
ألم تنسف دولاً كلّ مناهجها بعد سقوط أنظمتها ؟!
المشكلة ليست بنسف المنهج ؛ باعتباره خطّةً تسويقيّةً لنظامِ الحُكم السائد ، بل في ضياعِ أجيالٍ ؛ ومعها ملايين الأشخاص ؛ بفعل ” تصفير مخزونهم ” من هنا نطلّ قليلاً على فكرتنا حول نشأة الجامعة ، التي لم تكن _ أساساً في نظرنا _ لبناء حضارة الدول ، من بنى الحضارة هو المصنع ، المعمل ، الورشة ، المشغل … الخ ، وليست المدارس والجامعات ، التي لا تتعدّى مهمّتها جمع المعلومات وعرضها ؛ هذا في عالم التحضّر لا غيره.
الذين ذكرهم التاريخ ؛ وكانوا منارةً ؛ هم من عملوا ” اخترعوا وصنعوا وفكّروا ” لا من درسوا ، حتى في الفنون والأداب ؛ لم تكن الجامعة هي أساس المعرفة والشهرة ، لقد كان” مَعمَلُها ” وهو : المسرح وما شابهه ، بل كان الرصيف أحياناً الذي أنتج معمله أهمّ لوحات العالم وموسيقاته و طهيه وشرابه وغير ذلك ، غير أنّ طبيعة الشعوب وطريقة حُكمها فرضت في ” بلاد التأخّر ” على هذه المؤسّسات مغادرة مهمّتها ؛ لتنحصر في ترويج شرعيّة حكمها ، حتى في مجالات الصناعة والتجارة وغيرها ، كان الفضل للرؤية الحاكمة لا لغيرها .
لهذا ضاعت كلّ الأحلام ، ومعها السنون ؛ لمجرّد سقوط نظام ، حافظت فيه المدرسة والجامعة على تعاليم الأسرة ، منطلقها ، ومنتهاها في بذل روحها من أجل الخوف ، الخوف فقط.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا