فادي السمردلي يكتب:الأردن والصين.. هل تبدأ مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في وقت يبحث فيه الأردن عن فرص اقتصادية جديدة تساعده على تجاوز التحديات وزيادة الاستثمارات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية. الزيارة، التي بدأت في 17 آب، حملت تركيزًا واضحًا على الجانب الاقتصادي، خاصة مع لقاءات الملك بعدد من المسؤولين ورؤساء الشركات الصينية في شنغهاي.

ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يمكن أن تكون هذه الزيارة بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين الأردن والصين، بحيث لا تبقى العلاقة قائمة بشكل أساسي على التجارة، بل تتوسع لتشمل الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والسياحة؟

الصين أصبحت شريكًا اقتصاديًا مهمًا للأردن، وحجم التجارة بين البلدين وصل إلى نحو 6.7 مليارات دولار، بحسب تقارير حديثة ولكن المشكلة التي تواجه الأردن هي أن حجم التجارة وحده لا يعني بالضرورة وجود شراكة اقتصادية متوازنة. المطلوب هو زيادة الاستثمارات الصينية داخل الأردن، وخلق فرص عمل، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الصينية.

وهذا يبدو واضحًا من طبيعة اللقاءات التي أجراها الملك في شنغهاي. فقد التقى رؤساء تنفيذيين لشركات صينية تعمل في مجالات مختلفة، منها الصناعات الدوائية والغذاء والهندسة والزراعة والطيران، وجرى بحث فرص التعاون مع القطاعين العام والخاص في الأردن.

ومن النقاط اللافتة أيضًا زيارة الملك لشركة صينية متخصصة في صناعة الروبوتات وقد تبدو هذه الزيارة للوهلة الأولى بعيدة عن الواقع الاقتصادي الأردني، لكنها في الحقيقة تفتح سؤالًا مهمًا حول قدرة الأردن على الدخول في مجالات التكنولوجيا والصناعات الحديثة، بدل الاعتماد فقط على القطاعات التقليدية.

الأردن يمتلك بعض المقومات التي يمكن أن تجعله جذابًا للاستثمارات الصينية فموقعه الجغرافي يمنحه فرصة ليكون بوابة إلى أسواق المنطقة، إضافة إلى وجود كوادر بشرية متعلمة، وقطاعات يمكن تطويرها مثل الطاقة المتجددة والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية.

وهناك بالفعل تجارب للاستثمار والتعاون الصيني في الأردن، خصوصًا في مجالات الطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية.كما أن الشراكة بين مستثمرين صينيين وشركة البوتاس العربية تعد مثالًا على إمكانية تحقيق نتائج أكبر عندما تتحول العلاقات بين البلدين إلى مشاريع اقتصادية حقيقية.

لكن الاستفادة من الفرصة الصينية تحتاج إلى أكثر من الزيارات واللقاءات قالأردن بحاجة إلى تقديم مشاريع واضحة وقابلة للتنفيذ، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، وتحسين البيئة الاستثمارية، وربط الاستثمارات الجديدة بحاجات الاقتصاد الأردني، خصوصًا في موضوع التشغيل وزيادة الصادرات.

كما أن السياحة يمكن أن تكون مجالًا مهمًا للتعاون. فقد بحث الملك خلال زيارته إلى شنغهاي فرص تعزيز التعاون مع مجموعة “Trip.com” الصينية، بهدف زيادة حضور الأردن في السوق السياحي الصيني وهذا المجال يمكن أن يكون له أثر مباشر على الاقتصاد، لأن زيادة أعداد السياح تعني حركة أكبر للفنادق والمطاعم والنقل والأسواق المحلية.

وفي المقابل، لا يجب أن ينظر الأردن إلى الصين فقط باعتبارها مصدرًا للاستثمار، بل يجب أن يحاول زيادة صادراته إلى السوق الصينية فالأردن لديه منتجات يمكن أن تنافس في بعض المجالات، مثل الأسمدة والمنتجات الزراعية وبعض الصناعات، لكن التحدي هو الوصول إلى المستهلك الصيني وزيادة معرفة السوق الصينية بالمنتج الأردني.

الفرصة موجودة، لكن النجاح يعتمد على ما سيحدث بعد انتهاء الزيارة فالزيارات الرسمية مهمة لفتح الأبواب، لكنها لا تكفي وحدها فالاختبار الحقيقي سيكون في عدد المشاريع التي ستتحول من أفكار إلى استثمارات، وفي حجم الوظائف التي ستوفرها، وفي مقدار الزيادة التي ستحدث في الصادرات الأردنية.

كما أن الأردن لا يبحث فقط عن شريك اقتصادي جديد، بل يحاول تنويع علاقاته الاقتصادية في ظل الظروف الإقليمية والدولية المتغيرة ومن الطبيعي أن تسعى المملكة إلى بناء علاقات أوسع مع اقتصادات كبرى مثل الصين، مع المحافظة في الوقت نفسه على علاقاتها مع شركائها التقليديين.

لذلك يمكن القول إن زيارة الملك إلى الصين تحمل فرصة حقيقية للأردن، لكنها ليست ضمانًا بحد ذاتها لمرحلة اقتصادية جديدة فالمرحلة الجديدة ستبدأ عندما تتحول المباحثات إلى مصانع ومشاريع واستثمارات وأسواق جديدة وفرص عمل.

الأردن لديه ما يقدمه للصين، والصين لديها إمكانات وخبرات يمكن أن يستفيد منها الأردن وبين الطرفين توجد مساحة واسعة للتعاون، لكن المطلوب هو استغلالها بشكل عملي ومدروس.

وربما يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ماذا حملت زيارة الملك إلى الصين؟ بل ماذا سيحدث بعدها؟ فإذا نجح الأردن في تحويل الاهتمام الصيني إلى مشاريع حقيقية، فقد تكون الزيارة بالفعل بداية مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا