فادي السمردلي يكتب:من القبة إلى المواطن | صوت النائب.. لمن يُحسب؟

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

عندما يرفع النائب يده داخل القبة، قد يبدو المشهد بسيطاً مع أو ضد أو امتناع. ثوانٍ قليلة، ثم يُعلن القرار وينتقل المجلس إلى بند آخر ولكن خلف هذه اللحظة القصيرة مسؤولية أكبر بكثير لأن الصوت الذي يرفعه النائب ليس صوتاً شخصياً عابراً، بل موقفاً يصدر عن شخص اختاره المواطن ليمثله.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط كيف صوّت النائب؟ السؤال الأهم لمن يُحسب هذا الصوت؟
هل هو قرار النائب وقناعته؟ أم موقف كتلة ينتمي إليها؟ أم استجابة لاعتبارات سياسية؟ أم تقدير لما يراه مصلحة عامة؟ وفي كل الحالات، يبقى المواطن صاحب الحق في أن يعرف موقف ممثله، خصوصاً عندما يتعلق التصويت بقانون أو قرار يمس حياته وحقوقه ودخله ومستقبل الدولة.

التصويت هو إحدى أكثر اللحظات وضوحاً في العمل النيابي، لأنه يحول النقاش إلى موقف فيستطيع النائب أن يتحدث طويلاً، وأن يقدم مداخلات قوية، وأن ينتقد مشروع قانون، لكن اللحظة التي يتحول فيها الكلام إلى تصويت تكشف شيئاً مختلفاً: ماذا اختار فعلياً؟

وهنا لا ينبغي أن نختزل التقييم في مجرد «مع» أو «ضد» فالموقف النيابي يحتاج إلى سياقه لماذا صوّت النائب بهذه الطريقة؟ ما الذي ناقشه قبل التصويت؟ هل اقترح تعديلات؟ هل حاول تغيير النص؟ هل كانت لديه ملاحظات ثم انتهى إلى الموافقة؟ وهل اختلف موقفه من المبدأ عن موقفه من التفاصيل؟

هذه الأسئلة تجعل قراءة التصويت أكثر عدلاً وأكثر جدية وفي المقابل، فإن الغياب عن التصويت قد يكون موقفاً أيضاً، أو قد يكون نتيجة ظرف أو عذر، ولذلك لا يصح تحويل كل غياب إلى إدانة تلقائية والمطلوب هو معرفة الوقائع أولاً، ثم الحكم عليها فالرقابة الجادة لا تبني أحكامها على الانطباعات، وإنما على سجل واضح.

المشكلة تبدأ عندما يصبح المواطن غير قادر على معرفة سجل نائبه فكيف يمكن أن يقيّم من انتخبه إذا كان لا يعرف كيف صوّت؟ وكيف يستطيع أن يحاسبه في الانتخابات المقبلة إذا كانت مواقفه التشريعية غير واضحة أو غير متاحة؟

هنا تظهر أهمية الشفافية البرلمانية فالمواطن لا يحتاج إلى متابعة كل جلسة أو قراءة كل مادة قانونية، لكنه يحتاج إلى الوصول إلى المعلومة الأساسية ماذا كان موقف نائبي في القضايا التي تهمني؟

فالتصويت على قانون اقتصادي ليس كالتصويت على إجراء شكلي. والتصويت على تشريع يمس الحقوق والحريات ليس كالتصويت على بند إداري وكلما كان أثر القرار أكبر، أصبحت معرفة موقف النائب أكثر أهمية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول النائب إلى مجرد آلة تصويت تبحث عن إرضاء الجمهور فالتمثيل النيابي ليس استفتاءً يومياً على رغبات الناس، والنائب قد يتخذ موقفاً لا يحظى بشعبية إذا كان يعتقد أنه يخدم المصلحة العامة ولكن هذا الموقف يحتاج إلى تفسير، ويحتاج صاحبه إلى أن يتحمل مسؤوليته أمام الناس.

فالاختلاف مع النائب ليس المشكلة ،المشكلة أن لا نعرف لماذا اتخذ موقفه فالنائب الذي يقول «لا» ويشرح لماذا قالها، يمكن مساءلته ومناقشته واحترام موقفه حتى مع الاختلاف معه والنائب الذي يقول «نعم» ويقدم حجته، يضع نفسه أمام تقييم واضح أما التصويت الذي يأتي بلا تفسير، ثم تختفي خلفه المسؤولية، فهو ما يجعل المواطن يشعر بأن المسافة بينه وبين ممثله أكبر مما ينبغي.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية العلاقة داخل الكتل النيابية العمل البرلماني الجماعي أمر طبيعي، والتنسيق بين النواب يمكن أن يساعد على بناء مواقف أكثر وضوحاً وتنظيماً ولكن التنسيق لا يلغي المسؤولية الفردية للنائب عن موقفه وفي النهاية، المواطن انتخب نائباً، لا مجرد اسم داخل كتلة.

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً هو هل يستطيع المواطن أن يتتبع موقف نائبه بسهولة؟ فإذا كان الجواب نعم، تصبح المساءلة ممكنة وإذا كان الجواب لا، فإننا نترك المواطن أمام مساحة واسعة من التخمين، ونحوّل التقييم من الوقائع إلى الانطباعات.

ومن هنا، يجب أن ننتقل من تقييم النواب على أساس الخطابات والصور والتصريحات، إلى تقييمهم من خلال سجل متكامل حضورهم، مشاركتهم، مقترحاتهم، مواقفهم، تصويتهم، ومتابعتهم لما بعد التصويت.

فالنائب لا يُقاس فقط بما يقوله عندما يكون الميكروفون مفتوحاً، بل أيضاً بما يفعله عندما تأتي اللحظة التي لا يستطيع فيها الكلام أن يحل محل القرار.

في «من القبة إلى المواطن»، سنحاول أن نقرأ التصويت باعتباره وثيقة موقف، لا مجرد رقم في محضر جلسة. سنسأل من صوّت؟ كيف صوّت؟ لماذا؟ وما الذي ترتب على هذا التصويت؟

لأن المواطن لم يمنح نائبه مقعداً فقط بل منحه صوتاً.

والسؤال الذي يستحق أن يبقى حاضراً طوال الدورة النيابية ليس فقط ماذا قال النائب؟

بل:
صوت النائب.. لمن يُحسب؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا