فادي السمردلي يكتب ؛الإنجاز الذي لا يصل إلى المواطن… إنجاز ناقص

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم يعد كافيًا أن نخبر المواطن كم مشروعًا أُنجز، وكم اتفاقية وُقعت، وكم رقمًا تحسن في تقرير رسمي فالمواطن لا يعيش داخل التقارير، ولا يدفع فواتيره بالمؤشرات، ولا يطعم أسرته بنسب النمو فالمواطن يريد أن يعرف شيئًا واحدًا ماذا تغيّر في حياته؟ وهل أصبح عمله أفضل، ودخله أعلى، وخدماته أسهل، ومستقبله أكثر وضوحًا؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن الإنجاز، وهنا أيضًا تنتهي مساحة الاكتفاء بالأرقام.

هناك فرق كبير بين حكومة تستطيع أن تقول «أنجزنا»، وحكومة يستطيع المواطن أن يقول عنها «شعرت بما أنجزتم» الأولى تتحدث بلغة المشاريع والبرامج والخطط، والثانية تُقاس نتائجها في الشارع والبيت ومكان العمل فلا مشكلة في عرض الإنجازات، بل المشكلة عندما يتحول الإعلان عنها إلى غاية بحد ذاته فالمشروع ليس إنجازًا مكتملًا لحظة افتتاحه، والبرنامج ليس نجاحًا لحظة إطلاقه، والاتفاقية ليست نتيجة لحظة توقيعها افلإنجاز الحقيقي يبدأ بعد ذلك، عندما يظهر أثره في حياة الناس.

المواطن الأردني لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الأرقام مهمة فهو يعرف ذلك لكنه يريد أن يعرف ماذا فعلت هذه الأرقام من أجله فإذا ارتفع الاستثمار، أين الوظائف؟ وإذا زادت المشاريع، أين انعكاسها على المحافظات؟ وإذا تحسن الاقتصاد، لماذا لا يشعر المواطن بتحسن مماثل في دخله وقدرته الشرائية؟ وإذا تطورت الخدمات، لماذا لا تزال بعض الإجراءات تستنزف وقته وجهده؟ الأسئلة ليست عدائية، وليست تشكيكًا بالدولة، بل هي أبسط حق للمواطن في أن يرى ثمار ما يُنجز باسمه ومن أجل مستقبله.

الإنجاز الذي لا يخلق فرصة عمل لشاب، أو يرفع دخل أسرة، أو يحسن مدرسة، أو يختصر رحلة مريض، أو يجعل خدمة حكومية أسرع وأسهل، يبقى إنجازًا ناقص الأثر مهما كان بريقه في المؤتمرات لأن وظيفة الحكومة ليست إنتاج الأخبار، وإنما إنتاج النتائج وليست مهمتها أن تملأ الملفات بالمشاريع، بل أن تملأ حياة الناس بالفرص والحلول وكلما اتسعت المسافة بين ما تعلنه المؤسسات وما يراه المواطن، اتسعت معها فجوة الثقة، وهذه الفجوة أخطر من أي رقم سلبي في تقرير.

نحن بحاجة إلى تغيير السؤال الرسمي من «ماذا أنجزنا؟» إلى «ماذا غيّرنا؟». فهذه النقلة وحدها قادرة على إعادة تعريف النجاح الحكومي ، كم وظيفة مستدامة خلق المشروع؟ كم أسرة استفادت؟ كم دينارًا وفرته الخدمة الجديدة على المواطن؟ كم ساعة اختُصرت من الإجراءات؟ كم مشكلة حُلت بدل أن تنتقل من مكتب إلى مكتب؟ وكم شابًا أصبح يرى مستقبله هنا بدل أن يبحث عنه في الخارج؟ هذه هي المؤشرات التي تستحق أن تتصدر المشهد، لأنها تقيس الأثر لا النشاط، والنتيجة لا النية.

وليس منطقيًا أن نتحدث عن نمو اقتصادي لا يترجم إلى فرص ودخل، أو عن استثمارات لا يشعر بها المجتمع، أو عن مشاريع كبرى لا تترك أثرًا واضحًا في حياة الناس فالاقتصاد ليس مسابقة في الأرقام، بل وسيلة لتحسين حياة الإنسان والاستثمار ليس مجرد رقم يدخل البلاد، بل قيمة مضافة وفرص عمل وإنتاج ودخل والمشروع التنموي لا يكتمل بشريط افتتاح، وإنما عندما يصبح جزءًا من حياة الناس اليومية، عندها فقط يمكن أن نقول إن المال العام تحوّل إلى قيمة حقيقية.

والأردني اليوم أكثر قدرة على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز الذي يعيش فقط في الخطاب فهو يرى الأسعار، ويعرف كلفة الحياة، ويعرف حجم المنافسة على الوظائف، ويعرف ما الذي يحدث في المؤسسات والخدمات لذلك لن تقنعه قائمة طويلة من الإنجازات إذا لم يجد بينها ما يمس حياته مباشرة، المواطن لا يريد أن يكون مجرد متلقٍ للأخبار الإيجابية يريد أن يكون شريكًا في نتائجها. يريد أن يرى التنمية في محافظته، والفرصة أمام أبنائه، والخدمة التي يستحقها، وأن يشعر بأن المستقبل الذي تتحدث عنه الدولة ليس وعدًا بعيدًا، بل واقعًا يبدأ بالتشكل أمامه.

وهنا تقع المسؤولية الحقيقية على الحكومة ليس أن تدافع عن كل رقم، بل أن تسأل بجرأة عن أثر كل رقم وليس أن تبحث عن طريقة أفضل لتقديم الإنجاز إعلاميًا، بل عن طريقة أفضل لجعل المواطن يلمسه فعليًا فالحكومة القوية ليست التي تستطيع أن تشرح للمواطن لماذا يجب أن يقتنع، وإنما التي تقدم له نتائج لا تحتاج إلى كثير من الشرح وعندما يصبح المواطن قادرًا على رؤية أثر السياسة دون أن يحتاج إلى بيان صحفي ليفهمه، عندها تكون الإدارة قد نجحت في أهم اختباراتها.

في النهاية، لا أحد يعارض الإنجاز، ولا أحد يقلل من قيمة المشاريع الوطنية، لكن المطلوب أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا الإنجاز ليس ما نعلنه، بل ما يتحقق بعد الإعلان وليس ما يُكتب في التقرير، بل ما يُرى في الحياة وليس عدد المشاريع التي افتتحناها، بل عدد المشكلات التي أنهيناها وليس حجم الإنفاق، بل حجم القيمة التي عادت على المجتمع لذلك يجب أن يصبح المواطن هو المقياس الأول والأخير، لأن الدولة لا تُبنى بالأرقام وحدها، وإنما بما تصنعه هذه الأرقام من حياة أفضل.

الإنجاز الحقيقي هو أن يستطيع المواطن أن يقول نعم، لقد تغيّر شيء في حياتي. أما الإنجاز الذي يحتاج إلى كل هذا الشرح كي يشعر الناس بوجوده، فهو إنجاز لم يكتمل بعد.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا