مقدم برنامج حواري مغربي يتحول إلى ناطق غير رسمي باسم حزب سياسي.. ومَطالب بإعلام مواطن لا فئوي

 

ما بين الأمس واليوم، هل حدث تغيير ما في التلفزيون المغربي؟ يصعب الجواب بالإثبات، لأن الذي حصل هو تغيير فقط في بعض اللاعبين وخطة اللعب (إذا ما استعرنا قاموس الرياضة). فبينما كان التلفزيون تجسيدا لخطاب الدولة، صار اليوم مناصرا لخطاب فئة سياسية تعتبر متماهية مع السلطة ضد فئات أخرى توصف بكونها لا تنسج مع السياق العام المتسم بالانفتاح والديمقراطية والتعدد.
البرامج الحوارية المباشرة أكبر تجسيد لهذا التحول الشكلي الذي لم يمس الجوهر، فقد كان برنامج «حوار» متحكما فيه بخلفية «مخزنية» (تعبير يحيل على التصور التقليدي للسلطة في المغرب)، وذلك بالنظر لقرب صاحب البرنامج من مراكز القرار العليا، واليوم صار برنامج «ضيف الأولى» يرجح كفة حساسية معينة داخل المجتمع، ضاربا عرض الحائط بمبادئ الحياد والاستقلالية والموضوعية التي يتطلبها العمل الإعلامي.
وحين بلغ السيل الزبى، وجهت «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» (باعتبارها سلطة إدارية مستقلة مكلفة بالسهر على الاحترام التام لمبادئ التعددية) إنذارا إلى إدارة التلفزيون المغربي، بسبب إصرار منشط البرنامج في إحدى الحلقات على الإدلاء بتعليقات شخصية ومواقف انتقدت في مجملها حزبا سياسيا معينا دون غيره من الأحزاب، وذلك من غير احترام ما يقتضيه واجب الحياد والموضوعية والاستقلالية التحريرية البعيدة عن المصالح الفئوية والسياسية والإيديولوجية. واستندت الهيئة المذكورة إلى عقد الالتزامات الخاص بالتلفزيون العمومي الذي ينص على أن تنجز البرامج الإخبارية التي تبث في ظروف تضمن الاستقلالية عن أية مجموعة اقتصادية أو تيار سياسي، وتحرص أيضا ألا يستغل الصحافيون مواقعهم للتعبير عن أفكار متحيزة، واحترام المبدأ العام الذي يقضي بالتمييز بين سرد الوقائع من جهة والتعليق عليها من جهة أخرى.
وانضاف إلى «إنذار» الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» الموقف القوي الذي عبر عنه مجموعة من صحافيي التلفزيون المنضويين تحت «المكتب النقابي بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة» من خلال بلاغ في الموضوع، أكدوا فيه أن برنامج «ضيف الأولى» أصبح يضطلع بأدوار غير مهنية، جعلت منه طرفا متواطئا بشكل مفضوح مع أطراف سياسية ضد أخرى، وأداة لتصفية حسابات سياسوية وبطريقة شعبوية تسيء للشركة الوطنية كمؤسسة إعلامية تقدم خدمة عمومية، وتمس بسمعتها وتستهتر بتعددية وتنوع المجتمع المغربي… كما أن البرنامج يمس في العمق بأخلاقيات المهنة واستقلالية المؤسسة.

من أجل ترسيخ ثقافة الحوار البناء

من بين الإشراقات الفكرية التي طفت مؤخرا على سطح وسائط التواصل الاجتماعي الافتراضية، تدوينة للباحث والإعلامي حسن اليوسفي، أورد فيها نظرته لبعض أدوار الإعلام المغربي، حيث أكد أن «الإعلام العمومي يجب أن يكون إعلاما مُواطِنا لا فِئويا». وفسر الإعلام المواطن بكونه ذاك الذي يهتم بالدرجة الأولى بواقع المواطن، اجتماعيا، اقتصاديا وسياسيا.. إعلام يُعطي الكلمة للمواطن، يكون منفتحا على قضاياه، يناقش حاضره ومستقبله، يهتم بتعليمه وتثقيفه وتوعيته وترفيهه أيضا ترفيها هادفا، يعمل جاهدا على الارتقاء به لكي يساهم بدوره في تحقيق الرقي لوطنه لكي يصير مُواطِنا صالحا. وأضاف قوله إن الإعلام المواطن يجعل الفرد يشعر بمسؤوليته اتجاه وطنه، الإعلام المواطن يقدم الحقائق كما هي دون تمييز أو تحيز، يفسح المجال للتعبير عن الآراء بمختلف توجهاتها، يساهم في ترسيخ ثقافة الحوار البنّاء بين مختلف الفرقاء، ويعمل على تقريب وُجهات النظر وتدبير الاختلاف لكي يكون اختلافا بنّاء. ليختتم الباحث شهادته بالقول إن الإعلام المواطِن ركيزة أساسية في دُروب المُواطَنَة، منبرٌ لمن لا منبر له، فضاء للحقيقة والمكاشفة.. الإعلام المُواطِن لا يعرف معنى لمعاملة الإقصاء، لا يُؤْمِن بالتهميش، ولا فرق لديه بين الرئيس والمرؤوس.

«بصراحة» وسؤال العقاب الجسدي

تحرص معدة برنامج «بصراحة» الذي يبث على قناة «ميدي1» على اختيار موضوعات ذات صلة بالراهن وبالواقع الاجتماعي والنفسي للأسرة والمواطن المغربيين. وفي هذا الصدد، خصصت الحلقة الأخيرة من البرنامج لموضوع «العقاب الجسدي في المؤسسات التعليمية»، وكان سياقها متمثلا في الضجة التي أثيرت منذ بضعة أسابيع حول وفاة إحدى التلميذات، حيث وجهت أصابع الاتهام لأستاذتها بممارسة الضرب المبرح، ليبرئها في النهاية تقرير طبي أنجز عن التلميذة المتوفاة. ومن ثم، كان البرنامج غنيا بمداخلات مصطفى شكدالي (أستاذ علم النفس الاجتماعي) ومعاذ العطاوي (المحامي والخبير القانوني) اللذين سلطا الضوء على مختلف جوانب العنف وأبعاده وسياقاته النفسية والسوسيوثقافية، كما كانت شهادات المواطنين مضيئة ومفيدة، إذ أجمعت على نبذ العنف أسلوبا لمعاقبة التلاميذ، واعتماد أساليب بيداغوجية متطورة وكفيلة بتوفير تنشئة متوازنة للتلميذ تساهم في تقويم شخصيته وإبراز مهاراته وضمان اندماج إيجابي له بين أقرانه من باقي التلاميذ.

كاتب من المغرب

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط

قد يعجبك ايضا