ثمة شيء مات فينا!

القصة الأولى:
الوالد أحمد سالم الهلالات، يقرر وهو بكامل قواه العقلية، تسليم طفليه للحكومة حتى تتولى أمرهما.
في صراع الأب المعدم، انتصر فقره على أبوته، فلم يجد أمامه خيارا سوى تسليم اثنين من أطفاله إلى مديرية التنمية الاجتماعية في لواء البترا، لترعاهما وتغطي تكاليف عيشهما، بعد أن هزمته الظروف الاقتصادية والمعيشية.
لنتخيل إنْ كان أي منا قادرا على الإقدام على هذه الخطوة، بحيث يتخلى بكامل إرادته عن رعاية أطفاله، لأنه عاجز بحكم تعطله عن العمل، عن توفير أدنى احتياجات العيش لطفليه البالغين من العمر سنتين وثلاث سنوات.
الجميع متهم في هذه القصة، ولا بريء إلا الطفلان اللذان سيفقدان الوالدة والوالد؛ أي الأسرة الطبيعية.
فالحكومة مذنبة، لعجزها عن حل مشكلة الهلالات. وهو عجز يأتي نتيجة تقصيرها العام في تحقيق التنمية المطلوبة التي تضمن توفير فرص العمل، وإلا فأقلها المعونات اللازمة للأسرة المحتاجة.
والأب -مع محاولتنا تفهم قراره الذي يصفه هو نفسه بالخطير والحاسم- يتحمل أيضا جزءا من المسؤولية. فأبواب الرزق، مهما قلّت، تظل موجودة إن هو سعى بأقصى ما يمكنه إلى إيجادها، وليس يكفي قوله إنه فشل في الحصول على عمل.
والمجتمع برمته مذنب كذلك؛ بأن ترك الهلالات ليواجه قدره وحياته الصعبة، ونحن المعروفون -حتى زمن قريب على الأقل- بتكافلنا وعون الفقير والمحتاج. وأنْ يصل الأمر بواحد منا حد التخلي عن طفليه لأنه يعجز عن إطعامهما، فإن ذلك يعني أن المشكلة لدينا جميعا. فتقديم المساعدة لهذا الأب العاجز كان سيغدو بدهياً وعفوياً لو أن مجتمعنا ما يزال يتحلى بقيمه التي دُفنت أو ضاعت على قارعة الطرقات، وذلك بعد أن ذوت، والخشية أن تكون قد ماتت فينا الروح الإنسانية التي طالما أسعفتنا في مواجهة كثير من المشاكل التي عجزت عن حلها حكومات.
القصة الثانية:
سيدة من العقبة اضطرت أن تعيش وطفليها في باص باعتباره مسكنا، تصحو وتنام فيه. وهذا كاف لأن نتخيل صعوبة التفاصيل في حياة “أم بغداد”، مع طفليها بغداد (6 أعوام) وأحمد (4 أعوام).
السيدة الثلاثينية كانت قررت الاعتماد على نفسها في توفير قوت أطفالها، فأقامت “بسطة” توفر لها أدنى أسباب العيش، على الأقل سقفا يظللها وأطفالها! لكن الظروف لم تخدمها، وكذلك الجهات الرسمية التي قررت إزالة “البسطة” من دون أن توفر لها بديلا.
هكذا، ساءت ظروفها حد طردها من منزلها بعد أن عجزت عن تسديد إيجاره، فقررت أن تستثمر آخر ما تبقى لها؛ باص غير مرخص يكون مسكنها الذي يؤويها وطفليها.
المسؤولون والمذنبون في قصة “أم بغداد” هم ذاتهم في قصة المواطن الهلالات؛ الجهات الرسمية والمجتمع. لكن إلقاء اللوم مسألة ممكنة حتى آخر الزمن. أما المهم فهو أن نستخلص من هاتين القصتين الموجعتين دروسا نتعلم منها، لكي ننقذ إنسانيتنا المفقودة، ونستعيد قيما ضاعت منا في غفلة.
قصص كثيرة، يمكن سردها، تمثّل شواهد على اختلالات كبيرة باتت تنخر مجتمعنا، في دلالة متزايدة على ما خسرناه جميعاً، وإلى أين وصلت بنا الحال. فهي قصص تخبرنا عن سوء أحوالنا المجتمعية قبل الحكومية، وتقول لنا بأن ثمة شيئا مات فينا.

قد يعجبك ايضا