السير ذاتي في الشعر المغربي المعاصر: عندما تنقل «أنا الشاعر» محكيَّه الشخصي إلى فضاء الكتابة
شبكة وهج نيوز : بدأ المنزع السيرذاتي داخل الشعر المغربي الحديث يبرز منذ عقد الثمانينيات من القرن الفائت، أي منذ أن بدأ هذا الشعر يتخفّف من أحابيل الأيديولوجيا، فاسحاً المجال لصعودٍ مُستمرٍّ ولافتٍ لذات الشاعر، التي تتكلّم زمنها وحداثتها وتفرُّدها. وعندما نعود إلى المتن الشعري الذي كُتِب خلال هذه الفترة، نكتشف أن جزءاً غير يسير من شعراء المغرب كان واعياً بالبعد السيرذاتي وقيمته في تشييد قصيدته الحديثة.
نتوقف هنا عند ثلاثة مجاميع شعرية نزعت إلى السيرذاتي وارتفعت به شعريّاً؛ وهي «على انفراد» لحسن نجمي، و«رجلٌ يبتسم للعصافير» لمبارك وساط، و«كؤوس لا تشبه الهندسة» لعزيز أزغاي.
سيرة تكوُّن الذات وقصيدتها
يمكن أن ننعت ديوان «على انفراد» بأنّهُ عملٌ شعريٌّ سيرذاتي تحتشد فيه عناصرُ وإشاراتٌ سيريّة متنوعة وواعية، ويظلّ الأبرز الذي أنجز السيرذاتي في نصوصه بوعي ومقصدية كبيرين، وهو شبيه بصنيع «لماذا تركت الحصان وحيداً» لمحمود درويش بالنسبة إلى الشعر العربي الحديث برمّته. يأخذ البعد السيرذاتي للعمل، عبر أقسامه برمّته، مساراتٍ وأشكالاً من الصوغ مختلفة ومكتملة يُجلّي بعضها بعضاً، إلا أنّنا نجده حاضراً، بجلاء أكبر، في القسم الثاني منه، والمعنون بـ»مرايا: تصريح بالتطابق»: يقصد به التطابق بين أنا الشاعر الأصلي وأناه المتلفّظ في الخطاب بضمائره المتاحة. تعرض قصائد هذا القسم، تِباعاً واستتباعاً، وابتداءً من نص «شبه أوتوبيوغرافيا»، أمشاجاً دالّة مبتهرة من التاريخ الشخصي لأنا الشاعر، منذ أن فتح عينيه في قريته بن أحمد على الأشياء الصغيرة والقريبة منه، في البيت والكتّاب والمدرسة والطبيعة (رائحة الخبز، كسكس الجمعة، الأصداف المذهبة في معطف العيد، تلاوة (اِقرأْ)…)، مستعيداً ـ بضميري المتكلم والغائب، وعبر متواليات شعرية قصيرة تتوكأ على تفاصيل اليوميّ، كما على تقنية المونتاج والإدهاش- مشاهد من مسقط رأسه الذي يظهر من الإشارات التي ساقها عنه، إنه مكان تاريخي معماري وإثني يعكس قيم التسامح وتعايش الثقافات (قبب الأولياء، مزار اليهود، ضفائر باب الفرّان، البيوت الواطئة، حانوت «الشّرْقي»، الحمام..)، غير أنّه شاهَ بسبب التمدُّن في بعديه الكولونيالي والسلطوي (القرض الفلاحي، مزبلة الأمريكان، مجانين المحطة الطرقية، محطة البنزين المغلقة)، فوصفه بـ»الفضاء المسلوق ــ حيث لا عطر. لا معمار يلفت العين». كما يستعيد الشاعر، بحميميّة وإكبار، ذكرى أُمّه التقيّة والكادحة «بائعة الخبر»، إذ أنجبت دزينة أطفال ضمنهم الشاعر الذي قضى في كنفها وبصحبتها نحو ربع قرن، أي منذ سنة ولادته حتى فراقهما (1960- 1984)، وترمّلتْ مرَّتين، وظلت تلبس جلبابها البني القديم، وتتردّد على بوّابات السجون لزيارة أبنائها المحبوسين بسبب الضرب والجرح، أو بسبب الانتماء، ثُمّ عانت من السُّكري، قبل أن تلقى ربّها:
«ومنذُ ماتتْ ــ كأنْ لم تَعُدْ هناك امرأةٌ تبيع الخبز في «بَنْ أحْمَدْ».
وقد كَبُرْتُ.. وصار بالإمكان أن أَرُدّ بعض دَيْنٍ. ولكنّها ماتت.
تيتّمتْ ــ في طريق العودة إلى ذكرى غيابها ــ قصيدتي»
كما يستذكر «الأب برأسه العارية» الذي «كان يعود كل مساء بالحلم والخبز وزيت القنديل» و«يكتشف هواء الأغنيات»، ويرسم «بورتريهاً» دالّاً عن امرأته الشاعرة التي اقتسمت معه كلَّ شيء: الحُبّ، الخبز، الفكرة، الخطوة، الألم واليأس، معترفاً لها عن قصوره ووهنه تجاهها، لكنّها أصبحت أمّ بناتهما الثلاث، إذ يقتسمان سكناً على وادي أبي رقراق، ويكتبان الشعر ويعيشانه بغبطة. لكن حبل الودّ يصل لاستذكار أصدقائه ممن قاسموه الدراسة والكتابة والنضال، الذي انطفأ بلا طائل، من أمثال: عبد الوهاب بنعزوز، العربي مخاطري، إدريس الخوري وعزيز أزغاي وفاطمة شبشوب، مستدعياً في التعبير عن ذلك ببساطة أو أليغوريّاً، شخصيات وأمكنة حقيقية وأقنعة ومفردات رمزية: «النبي يوسف، مقهى درب الخير بسطات، حانة الظهيرة، الظلّ، المرآة». كما لا ينسى، في سياق ذلك، التلميح إلى أعدائه ومن غدر به وخذله، مُصرِّحاً هذه المرّة باسم العلم، باسمه الشخصي، إذ قال: «وكلُّ ذلك شذوذٌ لا علاقة لحسن نجمي به».
إنّنا إزاء أنا الشاعر وهو يستعيد سيرته ويسرد ماضيه الذاتي شعراً، بدءاً من الولادة ثُمّ الانصراف فالحيرة الكبرى. وفي سِياق هذه الاستعادة تواجه الذات حقائقها «على انفراد»، محتميةً بـ»ألْبوم العائلة»، أو بالتذكُّر المُمِضّ للزمن الجميل، أو بِعزاء النفس عبر التّماهي مع الشبيه يُوسف في قصته مع إخوته الغادرين، أو من خلال استعارة تقنيّات الرمز الطبيعي (الماء، الظّل، الليل والحجر) والثقافي –الأليغوري (المرآة، التمثال، الكرسي، الجسد والجثة)، ما يشفُّ عن تصدُّعها وهي تعكسُ ما بأعماقها من خيبة وندم وذبول وتشظٍّ.
تستمرُّ هذه العلاقة مِنْ وإلى الذّات في علاقتها بالآخر على نحوٍ دالّ يثري هويّة الذّات ويفتحها باستمرار، بدءاً من الكينونة التي كأنَها الطفل في ارتباطاته الصافية مع الأمّ وأشياء الطّبيعة وصور الوجود والحُبّ الأوّليْن، والمتغيّرة في توتّرُات الواقِع الذي يرثي التعهُّدات، ويفضحُ «الجثّة»، ويندب الحبّ، ويبكي محنة المهاجرين المغاربة. من هنا، لن تلتمس الذّات العزاءَ إلّا في شبيهها انطلاقاً من مبدأ الغيرية والوعي به في قصائدها السيرذاتية. تقع قصائد «مرايا: تصريح بالتطابق» في قلب هذا الوعي، إذ بدت قصائد الأقسام الثلاثة الأخرى من العمل تحفُّ به وتعكسه وتؤشّر عليه، سواء بمحوريّة أنا الشاعر، أو بكثافة فعلها السيرذاتي وتخلُّلها الأجناسي والخطابي (الحكاية، البورتريه، الشذرة، الاقتباس).
وانطلاقاً من وعي الغيريّة حيث تستضيء ذات الشاعر، الأصلية والمتلفظة في آن، بهويّتها المتحولة، وتتمرأى أو تمتدّ في تكوينات إحالية وإستطيقية من أسماء الأعلام والأمكنة والأيقونات الفنية: (بورخيس، يانيس ريتسوس، محمد شكري، إديث بياف، مطار تسالونيكا، حدائق شالّا، برج السدرية، مقهى Le français، موسيقى ثيودوراكيس، قطط بودلير، إمبراطورية العلامات). وإذ تستدعيها الذات وتتكلّم عنها وتخاطبها فلكي تضيء جوهرها وتستحقّ عبورها. ليس مُداراة، بل تجذيراً لسؤال الغيرية الذي يفتح الذات وقصيدتها على الجريح والمحتمل. تعكس الذّات في آخرها لا- وحدتها، ولا-تجانسها، ولا- كُليّتها. في كُلّ تذكرةٍ أو ومضةٍ أو شذرة ما تفْتأُ الذات تتجاوز نفسها، والآخر لا ياْتي من خارِج بل يُقيم فيها ويُفجّرها من الداخل. الذّات والآخر يتساندان ويسكنان إلى بعضهما بعضا بدون أنْ يتطابقا، وأنْ يتشابها.
إنّ خاصية الشبيه أو السيمولاكر هي اللاتشابه: في عالم من مرايا تقترب وتنأى، تسكن الذات آخرها وتفوّض أمرها إليه؛ ولا يكون هذا الآخر إلا بمدى بُعد الذات عن نفسها، وبما يجعلها في اختلافها شبيهةً بالآخر بمقدار ما هي تتجلى وتتوارى، وتقترب وتنأى في آن. فما يحكم هذا العالم هو العود الأبدي الذي لا وجود فيه للشيء إلا في عودته خارج خطّية الزمان وتقدُّمه، كما يشير إلى ذلك جيل دولوز. هنا، تكشف العودة إلى الذات والتطابق معها عن كونهما محض وهم ومشكوكا فيهما، كما تؤكد ذلك العبارة الشهيرة لآرثر رامبو «أنا هو الآخر»، أو تلك التي طوّرها جيرار جنيت: «أنا هو الماء الذي يتدفّق»؛ فالفعل السيرذاتي نفسه هو، إذن، فعل غيريّة.
يقول الشاعر مُستدعياً «بورخيس»:
« لسْتُ أقلّ عَمىً مِنْكَ.
ومِثْلَكَ أعْرِفُ كيْفَ اُسدّدُ خطْويَ.
ومع أنّ عينيَّ لَيْستا ميِّتتيْنِ تَماماً.
مع أنّ فيْضَ الضوء وافرٌــ
لا أُحبُّ أنْ أرى مَا يُرى.
أعْمى مِثْلُكَ ــ
ولسْتُ نادماً على شيء تركتُهُ في الضوء.
فقط، مثلك حُرِمْتُ من السواد»
إنّنا، في زخم تجربة «على انفراد»، أمام السيرة الذاتية الشعرية للذّات، لتكوُّن الذات، وهي تتحرك عموديّاً بشكل سمح لها بالتعبير، تقريراً وتضميناً، عن أحوال عزلتها وسردها، إن قبل الانصراف وبعده الذي فتح الطريق إلى الناس، وحتى الحيرة الكبرى التي امتحنها وسط واقع زائف لا يعير لقيم الصداقة والوفاء وزناً، ما جعلها تستعيض بواقعٍ كان أجمل تحتمي به وتعيد بناءه عبر العلاقات ونوعيّتها ومستوياتها، والإيحاءات الْمُتولِّدة عنْها وآثارها التي نهضت بِمُتخيَّل الكتابة ككلّ. لم يكن حسن نجمي «على انفراد» كما يحيل إلى ذلك العنوان، بل كان محتشداً بذوات تتكلّمه وتعيد بناء ذاته ضدّاً على عزلة بطعم الصعق وسريرة الحجر، بقدرما يتقدّم بقصيدته التي يُلْهَمها في المعيش، وتتكوّن في المجهول:
«مُتّكئاً ــ أفكّر في القصيدة المقبلة.
بينما أنتظرُها ــ كتبْتُ هذه. قصيدتي»
تأريخٌ شعريٌّ للذات
ظلّ مبارك وساط، في مجمل أعماله الشعرية، نازعاً إلى الحكاية ومنفتحاً على السرد يوظّفهما باستمرار، حتى داخل التقليد السريالي الذي عُرِف به وطوّره في تشييد قصيدته ومعمارها الجمالي. تَحوَّل هذا النُّزوع، مع الوقت، إلى خبرةٍ كتابيّةٍ يتّكئ عليها في عمله الجديد الموسوم بـ«رجلٌ يبتسم للعصافير»، مستجيبةً لرغبة أناه في قول حكايته الشخصية، الحكاية التي يقولها الشعر بقدر ما ما يحجبها بأفانين الرمز والسحر عبر لعبة التخيُّل. بالطبع، من الصعب أن نستخلص «سيرة ذاتية» للشاعر، بملامح وعناصر سيرية واضحة، كما الأمر في سابقه، بالنظر إلى المناخ السريالي للعمل الشعري، وما يترتّب من بناء ولغة خاصّيْن قد يشتطّان بكلّ تأويل. لكنّ السيرة موجودة، وضمنها تُؤرّخ أنا الشاعر لحياته الذاتية بنوع ما، وهو ما نُعنى، هنا، بإظهاره وتحيينه.
يتكوّنُ العمل من قسمين كبيرين ومتراكبين، وكلٌّ منهما يحوي قصائد متعدّدة ومتباينة في الشكل والبناء. يحكي لنا الشاعر في القصيدة التي دشّنَ بها القسم الأول منهما، عن الطفل الذي كانه، مُستعيداً حكاية الجَدّة التي «ترفو جوارب وذكريات»، كما حكاية الجَدّ الذي «جُنّ على ظهر ناقة» و«حلّتْ به لعنة السراب، فمضى ليتيه في الصحراء»، تاركاً خلفه بقايا بيتٍ قديم، وظلّ الطفل يحلم بعودة جَدّه منها. عدا أنّه تجلٍّ لاندهاش/ انشداه بالطبيعة في صفائها، يصير هذا الحلم بالنسبة للطفل ذريعةً للبحث عن آثار السلالة التي يمثّلها الجدّ الفيزيقي، وحَتّى الشعري نفسه، مترسّماً مأثور أقواله، ثُمّ سرعان ما يتشابك مع وقائع ومواقف ومصائر لم تزد الطفل إلّا شعوراً بالالتباس، سواء على درّاجةٍ يحقن عروقها بالنيكوتين، أو ماشياً متسكّعاً حتى الفجر. تيه في مقابل تيه.
من صفاء القرية التي حمل منها معجم البدايات وتشهّيها، إلى اختلاط المدينة التي شوّشت على وعيه بعد الهجرة إليها، وقذفت به في فضاءاتها، إمّا في بار مارسيل سيردان أو ملعب كرة، أمام السينما أو السوبرماركت، عند حانوت بائع الحلزون أو بائع الملابس القديمة، مأخوذاً بـ»مقاير مجهولة في معادلات الريح والليالي»، يعيش الشاعر في ذاته، وفي صميم هويّته حالة تحوُّل مستمرّة، إلى حدّ أن يستيقظ يوماً فيجد جسمه كلّه قد تكاثف في كريّات أعصاب (الكريّة هي أنا)، فتضيع هويّته.
إنّ حساسية البحث عن الجَدّ، واستعادة الهوية الضائعة بمثابة تحفيز للبناء الشعري الحكائي داخل العمل، وللذات أن تبرز صوتها وشخصيتها وهي تخترق الحُجُب والمسافات والأمكنة، وتتمرّد على الكليشيهات والأنماط الجاهزة، عملاً بنصائح الجَدّ الثائرة، في سياق تعبيري وكنائي يصل الحلم والذاكرة بالتخييل، وبالنتيجة يخلق نوعاً من الأسطرة الشخصية التي تلتحم فيها الذات السيرية الشعرية بالذات الكبرى الممثلة في الجَدّ/ الهوية، لا يوازيه إلّا رغبة الذات في قول آخرها المتعدّد. الحلم، الالتباس والتحوُّل، ذرائع متوالدة سمحت للذات، إذن، أن تكتب تاريخها شعريّاً، أن تُشعرِن سيرتها، منذ لحظة الهجرة نحو المدينة والاختلاط بعالمها، لكنّها بالقدر ذاته كانت تُبلبل أي ميثاقٍ أوتوبيوغرافي قارّ إلا ما يمليه عليه الإمكان الشعري بلسانٍ سيريالي.
في القسم الثّاني، يستمرّ المنزع السيرذاتي للعمل، ولكن في سياق آخر من عمل الذّات يتعلّق بعالمها العاطفي والوجداني الذي تعمل على ترقيته أو تحريره. فمجمل قصائد هذا القسم هي بمثابة صياغة شعريّة لضَرْبٍ من «التربية العاطفية»، أي بناء علاقات عاطفيّة بين ذات الشاعر والنسوة اللائي تعرّف عليهنّ، ابتداءً من مارية الفتاة التي أحبّها وهو في السادسة عشرة، لكنّها لم تبادله عواطفه:
«الفتاة التي أحببتُ وأنا في السادسة عشرة
في البداية، لم تُبادلني عواطفي
حزنتُ ثُمّ نسيتُها
لم أعد أترصَّدُها كلّ أحد أمام بيت أبيها
حيث تصنع الكعك
تدرس حياة الجراد
وتُنصت إلى أغاني الحاجة الحمداوية..»
وبدلاً من تتحقّق علاقته بمارية، فقد بقيتْ صورتها جرحاً في وعي الشاعر، لم يَشْفَ منه، وبالتالي بقيتْ في نطاق توْقٍ دائم تعيشه أنا الشاعر في مراحل تالية، وتُحيّنه في علاقات بنساء أخريات (أوفيليا، الجارة الإسبانية دولوريس، مريم بائعة الهوى..)، عبر لعبة التخيُّل التي أطلقت السرد من عقاله، وأذابت الكلام في خيميائه، بقدر ما سنح ذلك للذّات أن تتلفّت إلى جسدها، تتحسّسه، وتُعبّر عن حواسّه ومسرّاته وخيباته بمعجم سرديّ يوقظ الأنا من هذيانه ويحيي فيه ماء الغريزة.
من دهشة عين الطفل بداعي الحنين، وهجرته المتحوّلة في الالتباس، إلى تحرير الجسد ومعناه في لعبة التخييل، يكتب الشاعر سيرته التي نهضت من أنقاض اللاوعي واستوتْ حيواتٍ جديدة تستحقّ أن تُسرد، وفيها يؤاخي بين حركة السرد وحيوية الصورة الشعرية التي تغذّت بكيفيّة خاصة على «خيمياء الحلم» إذ فتحت عيني الشاعر الطفل على غابة يحيا في كنفها قرب السناجب، ويبتسم رجلاً للعصافير على سروة متسكّعة حتى الفجر؛ فلا معنى، إذن، أن ينتظر عودة الجَدّ من الصحراء، ويُمنّي النفس فقط بوصاياه السريالية. ومن المهمّ أن نشير، هنا، إلى معنى أن يُهدي الشاعر عمله الشعري إلى ابنه بِشْر، كأنّه بذلك يتجدّد فيه ويوحي إليه بطفولته كمشروع لا ينتهي في الكتابة وعبرها.
«كُنّاش العائلة»: جرعة الموت وجرعة الحياة
في ديوانه «كؤوس لا تشبه الهندسة»، يسرد لنا الشاعر عزيز أزغاي بعداً آخر من السيرة التي تتعالق معها ذاته وتتأثّر بها طوال نصوصه التي مالت إلى القصر والتكثيف؛ وهو ما يمكن أن نسمّيه، اقتراضاً من الشاعر نفسه، بـ»كُنّاش العائلة»، بحيث يستعيد فيه شجرة النسب، النسب الجريح الذي تفشّت فيه أسباب الموت والعزلة ولعنة الجغرافيا. فجدّته، فاطمة، ماتت قبل أن يشبَّ حفدتها عن الطوق؛ وأبوه الذي مات كلُّ إخوته في عزلة الريف، هو «النزيل 47» المصاب بمرض السرطان، لكن ضحكته ووداعته لم تفارق مُحيّاه:
«بِخُطاه الأقرب إلى مَنْجنيقٍ،
بالأصابع المدسوسة
في سُرّة العطب
وبالجمل الناقصة
يهبط الدُّرْج الغاصّ بالمجروحين»
وفي جلبابها الكاكي، جنب الإسعاف، تنزوي زوجته خديجة، أمّ الشاعر. مع هذه «المقبرة العائلية»، لم تمنع أحياءها الباقين من التشبُّث بالحياة ، ابتداءً من الأمّ، مولِّدة النساء التي كانت تباشرهم مثل الأزواج، وابنهم الذي ورث الليل والفلسفة، نجد يتوسّل لأبيه أن لا يموت، لأنّ «هناك أمراً ما «يستحقُّ أرق الملائكة».
في وسط «عائلة السرطان»، ينشأ الشاعر حادّ المزاج ويحذّر أصدقاءه من «طمأنينته النادرة»:
«ريفيّ الأصل
مزاجي حادّ
وليس لي ما أخسره
حواسّي مُسدَّسي الذي لا يُخطئ»
هكذا نجده، بضمير أناه الضاغط، ينظر إلى العالم والأشياء التي تحيط به، والوقائع التي تجري حوله، بِلوذعية وسخريةٍ حيناً، وكسلٍ ولامبالاة حيناً آخر، وهو يقترب عقده الرابع:
«قريباً من الأربعين
لا شيْءَ يهُمُّ
الذي يهُمُّ هُوَ
مزيدٌ من القهقهة
وطولُ العمر للمُغفَّلين
هذا كلُّ ما في الأمر
على سبيل الحِمْية.»
هذه الحمية هي، بحدّ ذاتها، تمارين في العزلة للاستئناس بالحياة ونسيان الموت، بين «ملهى باليما» وطريق العودة إلى البيت والطابق الخامس، وأمّا خطوته فهي بيضاء: «لا تلتفت كثيراً/ لستُ خلفك»
كتابة شذرية، استدعاءات مقطعية، مونتاج، بحث عن الحقيقة التي تتفلّت من بين المحكيات العادية، حفز القارئ بسخاء على التعاون التواصلي، هذه بعض السمات الأساسية التي نكتشفها لدى هؤلاء الشعراء الذي وظّفوا السيرذاتي في قصائدهم. من السيرة الذاتية التي تقول اللحظة المعيشة وتنفكّ منها، إلى الشعر الذي يقول الأنا ويحجبه في آن. ومن قصيدة سيرذاتية إلى أخرى شبيهة، تتخلّى الذات عن مرجعيتها الواقعية، وعن وضعها المرجعي، ويصبح المرجع نفسه إشكالية داخل النصّ الشعري نفسه، حين تتجاوزه الذات، وكأنّ أنا الشاعر يريد أن تثبت أن حياته شيئاً آخر غير الذي عاشه، وذلك بِمجرّد أن ينقل محكيَّها الشخصي أو سيرته الشخصية إلى فضاء الكتابة.
المصدر : القدس العربي
