معرض الكتاب في دمشق… محاولة لإحياء الثقافة في ظل الحرب

شبكة وهج نيوز :  بين دورة «العودة» العام الفائت، ودورة «الاستمرار» هذا العام، وبين كتب جديدة مغلفة وأخرى يعلوها الغبار، وتملأ حوافها الشقوق بعد أعوام أمضتها في المستودعات. ودّع معرض دمشق الدولي للكتاب دورته التاسعة والعشرين يوم السبت، التي وصفها البعض «بالاحتفالية»، وتمنى آخرون لو كانت أكثر غنى وتنوعاً.
بعد انقطاع دام خمس سنوات، عاد معرض الكتاب الدولي إلى العاصمة السورية دمشق العام الفائت، وأطلق القائمون على تلك الدورة اسم «العودة»، متمنين أن يعلو صوت الثقافة والكلمة فوق صوت المعارك التي تدور رحاها ليس بعيدا عن مكان انعقاد المعرض في مكتبة الأسد الوطنية في ساحة الأمويين. وشارك فيه آنذاك 75 دار نشر سورية وعربية، فشكّل حدثاً ثقافياً فريداً، في مدينة طغت أخبار الحرب على يوميات سكانها. وتوسعت مشاركة دور النشر في معرض هذا العام تحت مسمى «الاستمرار» ليبلغ عددها حوالي 150 داراً، الحصة الأكبر منها لسوريا، مع أربعين داراً من بلدان عربية، على رأسها لبنان ومصر إضافة للعراق والسعودية وفلسطين والأردن، وأخرى من بلدان إقليمية وغربية، منها إيران وروسيا والدنمارك.
«القدس العربي» التقت بعض زوار المعرض، ومنهم كريم يونس الذي كان يتجول بين كتب ترشد إلى طريق السعادة، أو أفضل وسائل كسب ثقة الآخرين، وأخرى تتحدث عن الحرب الدائرة في سوريا، من وجهات نظر مختلفة، فكان حائراً لا يدري أين يجد ضالته. «أبحث عن كتب نوعية مترجمة في مجال الهندسة ولم يحالفني الحظ في العثور عليها. تبدو الكتب المعروضة عامة أكثر منها تخصصية، مع ذلك تسعدني رؤية عشرات الشباب والشابات وهم يتجولون في أروقة المعرض محتفين بالثقافة والقراءة».
أميرة مالك، التي زارت المعرض منذ أيام، لم تجد أيضاً ما تبحث عنه، لتعود أدراجها خائبة. «رغبت بزيارة المعرض هذا العام بعد انقطاع دام أكثر من ثماني سنوات، لكن مجال دراستي وهو العلوم السياسية والعلاقات الدولية دفعني لوضع قائمة طويلة من الكتب الاختصاصية ذات الصلة، لكنني لم أعثر على أي منها بكل أسف».
أما سليم وهو طالب في كلية الصيدلة، فعبّر في حديثه لـ»القدس العربي» عن مدى سعادته بأول معرض كتاب يزوره في حياته. «يروي لنا أهلنا عن ذكرياتهم القديمة في معرض الكتاب الدولي في دمشق، ولم تتح لي فرصة زيارته حتى هذا العام، حيث اشتريت عدداً من الروايات المترجمة بأسعار متدنية، فيما لو أخدنا بعين الاعتبار تدهور قيمة الليرة السورية، حيث لم يتجاوز ثمن أي رواية خمسة دولارات أمريكية».
اختلاف الآراء هذا طال أيضاً القائمين على دور النشر المشارِكة، الذين أكد عدد منهم ارتفاع مبيعات هذا العام مقارنة بالعام الماضي، في حين تحدث آخرون عن أرقام كانت أقل من المتوقع. حبيب الضعضي، المسؤول عن دار الطليعة الجديدة في دمشق، والمشرف على مطبوعات دار الفارابي اللبنانية، رأى في حديث لـ»القدس العربي» أن الإقبال الذي شهده المعرض العام الفائت دفعه لتوقع مبيعات أكبر هذا العام، وهو ما لم يحدث. وأضاف الضعضي: «رغم الحرب والهجرة ما زال المجتمع السوري مليئاً بالقراء، ولعلّ أكثر ما يلفت النظر إقبال الشباب على شراء كتب نوعية، كالدراسات الفلسفية والأدب الماركسي والأدب الروسي». وأكد المتحدث أن نسب الحسم بلغت أحياناً أكثر من 40٪، مستفيدة من تخفيض أجور الاشتراك في المعرض، الذي سمح لمعظم دور النشر بالبيع بسعر مخفض يتماشى مع الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها معظم السكان. 
ولم يمنع هذا الواقع الذي يلقي ظلاله على البلاد، والذي قد يجعل من القراءة في آخر سلم أولويات السوريين، المشرفةَ على دار «ظمأ» من تشبيه معرض الكتاب الحالي بالعيد الذي يدفع للتفاؤل، «مع تنوع الشرائح التي زارتنا خلال الأيام الفائتة، وكذلك تنوع العناوين المعروضة والابتعاد إلى هذا الحد أو ذاك عن الكتب العقــائدية، واستمرار احترام الكتاب الورقي، رغم انتشار ثقافة القراءة الإلكترونية». وتمنت لينا عامر، التي تعرض في جناحها أيضاً كتب دار ممدوح عدوان ودار الرحبة، لو حظي المعرض بدعاية وإعلان أفضل كان من شأنهما زيادة الإقبال ورفع عدد الزوار.

مع اقتراب إغلاق أبواب المعرض في العاشرة مساء، كانت مكبرات الصوت تصدح بألحان موسيقى شرقية وبعض الأغنيات الوطنية التي حلّت محل أغنيات فيروز، إحدى العلامات المميزة لدورات معرض دمشق الدولي السابقة. زوار يغادرون مبتسمين، وآخرون يبحثون في أروقة المكتبة عن وجوه غائبة لأصدقاء اعتادوا أن يتشاركوا معهم هذه الأيام المحتفلة بالثقافة، لكنهم رحلوا ليبقى من يحاول إحياء القراءة وإعلاء صوتها في مدينة أنهكها صخب الحرب.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا